الأحد، 14 ديسمبر 2008

البحرين في مناخ التغيير ... مصادرة خيارات الاخرين


انطباعات حول زيارة استطلاعية ( 4 )

هاني الريس

كانت عودتي الرابعة الى البحرين في14 ديسمبر 2006 ، حيث قام بواجب ترتيبات الاقامة والسكن في البحرين، مشكورا على مافعل ، الصديق وليد عبد الرحمن الدكير ، وكدلك توجيه الشكر الجزيل لجميع الاخوة الاعزاء الدين قاموا بواجباتهم تجاهي خلال هده الزيارة ، واذكر منهم بالخصوص الزملاء عبدالرحمن محمد النعيمي – شافاه الله وعافاه – وعلي قاسم ربيعة ورضي الموسوي وعبدالنبي العكري وعبدالله الدرازي وجميل خلف العلوي وسعيد العسبول ومحمد عبد الجليل المرباطي وعبدالجليل النعيمي ومصطفى حسين العلوي ومحمود عبدالصمد الشهابي ، وفاطمة الجاسم وبدرية علي،وعدد كبير من الاخوة والاخوات الاعزاء والاصدقاء القدامى الدين لم ينسوا أصدقائهم ، وقد إستغرقت الاقامة في البحرين قرابة الشهر ، وكان الهدف الابرز من هده الزيارة ، هو المشاهدة عن قرب كل ماتوصلت اليه الامور في البحرين ، بعد مرور ست سنوات كاملة على الانفراج السياسي ، بعد تحويل دولة المراقبة الامنية الى مملكة ،وذلك لكي أخرج بأنطباعات مبا شرة وميدانية على مستوى مواقف واراء المواطنين على مختلف توجهاتهم وانتماءاتهم الاجتماعية والسياسية والفكرية ، من تداعيات هدا التحول ، والرؤية الشاملة لمستقبل البلاد السياسي

وعلى الرغم من عدم تعرضي لاية مضايقات أو ملاحقات من قبل الاجهزة الامنية ، الدي حدرني من تواجدها في الميدان لرصد كل واردة وشاردة من تحركات المواطنين ، بعض الاصدقاء العارفين ببواطن الامور ،إلا انني كنت على الدوام واثقا من تحقيق مهمتي حتى لو تحرش بي احد افراد هده الاجهزة ، فسأكون مستعدا لكل المخاطر من أجل تحقيق هدا الهدف

الكبت والاحباط والشعور بعدم الامان

منذ الوهلة الاولى التي بدأت بها التحرك الميداني للقاء بالمواطنين ، رأيت العبوس يرتسم على وجوه معظم الناس الدين التقيتهم وحاورتهم وطلبت منهم الرد على أسئلة طرحتها عليهم حول الاوضاع القائمة في البحرين إنذاك ، وكانت لهجة الاستياء واضحة في النفوس من كل ما تمخضت عنه خطوات ( مشروع الاصلاح ) في البلاد ، الدي بدأ العمل بتنفيده على الارض في العام 2001 ، ب ( إرادة أميرية متفردة ) ومن دون إستشارة المجتمع ، ومن خلال حواراتي المطولة مع بعض المواطنين العاديين ورجال السياسة والمثقفين ، الذين قابلوني بناء على إتصالاتي معهم ، تأكد بما لايدع مجالآ للشك بالنسبة لي على الاقل ،بأن هناك إجماع واسع النطاق ،على أن هناك أخطاء عديدة وكبيرة وفادحة لحقت ب ( المشروع ) وغيرت مسارات توجهاته الديمقراطية والدستورية التي صوتت لها الغالبية الساحقة من شعب البحرين في ميثاق العمل الوطني ، وأن المسؤل الاول والاخير عن إقتراف كل هده الاخطاء الفادحة -بحسب أراء هؤلاء الناس – هو الحكم ومعه من كان يروج لاصلاح البيت من الداخل ، مع علم الجميع بأن ركائز ( المشروع ) لم تكن صلبة وواضحة

لقد بدأ هدا ( المشروع ) كما هو معروف بتطمينات ووعود رنانه بنشر فيم الديمقراطية والحكم الدستوري من خلال الحرص على تفعيل المواد الحيوية المعطلة من دستور البحرين العقدي للعام 1973 ، وعودة الحياة النيابية العامة وحماية حقوق الانسان وتكافؤ الفرص بين جميع المواطنين من دون تمييز أو تفضيل ، وعلى هدا الاساس ، أيدت القوى الوطنية والاسلامية الفاعلة على الساحة هدا ( المشروع ) وحثت المواطنين للتصويت له وتأييده ، ولكن المفارقة عندما حصل الحكم على صكوك المبايعة والتأييد ، إنقلب على الوعود والتعهدات التي قطعها على نفسه بالتغيير الجوهري والحقيقي ، وأعلن من جانبه عن الغاء الدستور التعاقدي للعام 1973 ، وإستبداله بدستور ( منحة أميرية ) مفصلآ على قامة السلطة والحكم

وهدا الانقلاب على الوعود والتعهدات ، قد ولد كبتا وإحباطا ومشاعرا بالخوف والقلق على مستقبل الاوضاع في البلاد ، واضافة الى ذلك فقد شرع الحكم في مخطط سياسي واجتماعي خطير يرمي الى تمزيق وتفتيت وتماسك وحدة المجتمع ، كشف عن جوهره تقرير المستشار السابق في وزارة الخارجية البحرينية صلاح البندر ( بحرين جيت ) حيث افشى التقرير بما هو مستور من أسرار مخطط الطائفية الرهيب ، والدي كاد أن يشعل فتنة طائفية كبيرة تحرق الاخضر واليابس في البلاد ، لولا حكمة العقلاء من أبناء هدا الوطن الدين قضوا عليها في مهدها

ولايتوقع المواطنون الدين قابلتهم ، اي مبادرة أمل تحول من دون تراجع الحكم ، عن كل ما كان قد بدا به من تجاوزات ، ويقرون بأن الخطوات التجميلية التي يقوم بها الحكم بين الفينة والاخرى ، إنما هي



مجرد ذرء الرماد في العيون من اجل اخماد أية تحركات شعبية قد تقلق مضاجعه

لقد كان ( المشروع ) الدي يفترض بأنه كان جسر تحويل الدولة الى مملكة ، أصبح بقدرة قادر مشروع لتكريس سياسات الماضي القمعي التعسفي الدي مورس من قبل الحكم طوال أكثر من ثلاثة عقود من الزمن مع تغييرات طفيفة لبعض الادوات القمعية التي كانت تشوه صورة الحكم في المحافل القارية والدولية، وعلى مستوى منظمات حقوق الانسان ، وجعلها أكثر ملائمة مع الواقع الجديد الدي تعيشه البلاد ، بعد أن اراد لها صانعي ( المشروع ) أن تساير التحولات الديمقراطية التي شملت العالم برمته ، فبعد أقل من عامين على قيام ( المشروع ) كشرت العوائق والتحديات عن أنيابها ، فظهرت بشكل لالبس فيه مظاهر التفرد التام بصنع القرار السياسي ، وتوزيع الهبات والعطايا والمكرمات لكسب الولاء وشراء الذمم ، وتفشي الفساد والعطالة عن العمل وتبذير المال العام وعجز موازنة الدولة عن تسديد نفقات البناء والتنميةالاقتصادية والبشرية التي كانت مطروحة للعمل في سنوات لاحقة، ومشكلة التجنيس السياسي وإتساع الفوارق الطبقية بين مختلف الفئات والشرائح الشعبية ، وإختلالات واضحة للهياكل الاقتصادية والسياسية والامنية ، وخنق الحريات العامة والعبث بأوراق الانتخابات العامة وتقليص وتحديد صلاحيات المجلس النيابي المنتخب ، وتهميش دور الجمعيات السياسيةالمعارضة ، وتوسيع الاجراءات والمراسيم الاميرية ومن بعدها الملكية التي شكلت الخطوات المهمة لتأزيم الاوضاع

ان المتأمل في التراجع الشديد ل ( المشروع ) وبخاصة خلال السنوات الخمس الاخيرة ، لايخالجه

الشك بأن ماقيل عن قيام دولة القانون والمؤسسات في البحرين هو مجرد ( كذبه كبرى ) أراد من خلالها الحكم صرف الانظار عن أخطائه وممارساته القمعية

وقد أسهم الجدل الحالي في زيادة الشكوك بمصداقية ( المشروع ) الدي مازالت سقوفه تتراجع بشكل واضح على إيقاعات التفرد بصنع القرار وخنق الحريات وإتساع نسب البطالة وتصاعد موجات الغلاء الفاحش خاصة بالنسبة للطبقات المتوسطة والمعدمة ، ويقابل دلك زيادة النفقات الخاصة بمؤسسات الدولة الرسمية وشبه الرسمية ، والتي تلتهم الجزء الاكبر منها وزارتي الدفاع والداخلية والحرس الملكي وعمال ومستخدمي قصور كبار أفراد العائلة المالكة والوزراء ، والخوف من تصعيد وتيرة الاجراءات والمراسيم الملكية التي تحاول بسط نفودها على ماتبقى من بصيص أمل للمواطنين الدين صوتوا لهدا ( المشروع ) على أساس الوعود والتطمينات للخروج من بالبلاد من النفق المظلم الدي سادها طوال حقبة قانون أمن الدولة السيء الصيت ، فما اكثر الدين اكتشفوا بعد فترة قصيرة من إنطلاقة هدا المشروع الاخطاء الفادحة التي تسببت بالخوف والقلق على مستقبل البلاد في ظل التفرد المفرط من قبل السلطة والحكم بكافة قرارات الدولة والمجتمع ، واقل منهم الدين تصدوا للمشروع من الاساس لانهم ادركوا حقيقة اللعبة وراحو يبدون النصح من أجل تدارك الكارثة ، لقد عجزت الاكثرية التي صوتت للمشروع عن اكتشاف اصعب مواضع الخلل لانها في حقيقة الامر خلطت بين ( سموم المشروع و عسل الوعود الرنانة التي اخفقت لها القلوب الضعيفة والمتوجسة ) ولذلك نجدهم اليوم يعيشون في اوضاع مربكة ، فأما انهم يلقون اللائمة على غيرهم ويبررون لاخطائهم ، أو انهم يدرفون دموع التماسيح على تساقط سقوف المشروع التي كانت في بداية ( العرس ) بمثابة حلم الوصول الى جنة الدولة الديمقراطية الدستورية ، وبعد الكارثة التي عطلت النصوص الحيوية في ميثاق العمل الوطني وإستبدال دستور البحرين التعاقدي بدستور السلطة والحكم ، رايناهم يحملون أصحاب المشروع تبعات الازمة السياسية التي أخدت تعصف بالدولة والمجتمع .

وعلى الرغم مما قيل بأنه كان هناك جانبا مهما وصحيحا في ما قدمه ( المشروع ) للوطن والمواطنين ، إلا أن الصحيح أيضا ، أن غالبية المواطنين في البحرين ممن التقيتهم في هده الزيارة ، صرحوا لي بأنهم فقدوا معظم تسامحهم مع تصرفات السلطة والحكم الدي أسرف كل منهما في إرتكاب الاخطاء القاتلة ، على الرغم مما كانوا يواجهونه من إنتقادات وأعتراضات شديدة من قبل المواطنين وكدلك الجمعيات السياسية والحقوقية المحلية وعلى المستوى العالمي ، فالمشروع ، الدي ظل الحكم يتفاخر بأهميته السياسية والاجتماعية والاقتصادية الكبيرة ويطالب الاخرين بالسير على خطاه، والدي طبلت له أبواقه في الداخل والخارج ، لم يقدم أية حلول جدرية لمختلف القضايا الوطنية الملحة الدي ناضل واستشهد من أجلها كواكب من شعب البحرين ، ومن أهمها على الاطلاق المسألة الدستورية والصلاحيات التشريعية والتعددية الحزبية وحريات الرأي والتعبير والصحافة ، الامر الدي عزز المخاوف من عودة حقبة قانون ومحاكم أمن الدولة المخيفة

ويبقى الانقلاب على نصوص ميثاق العمل الوطني ودستور البحرين العقدي للعام 1973 ، مصدر القلق البالغ لدى أوسع الفئات والشرائح وطوائف المجتمع في البحرين ، التي أسكرتها الوعود الرنانة بقيام دولة القانون والمؤسسات البرلمانية الدستورية وواحة الديمقراطية وحقوق الانسان ، وهناك أجماع واسع النطاق على أن المسؤل الاول والاخير ، عن تراجع سقوف ( المشروع ) وعن إنكساراته المتلاحقة ، هو الحكم وجميع حراسه الاقدمون

فقد إستمر الوضع السياسي العام في البلاد منذ تحويل الدولة الى مملكه ، على حاله من دون تغييرات جوهرية ، وظل يعاني من إخفاقات واسعة وخطيرة ، تسببت بها القرارات والاجراءات والمراسيم الملكية والمكرمات والعطايا الجزيلة لشراء الذمم ، وتعطيل التشريعات وتزوير الانتخابات العامة ومحاصرة الجمعيات السياسية ونشر مختلف مظاهر الفتنة الطائفية ، وإحتكار أفراد البيت الحاكم معظم المناصب الوزارية والادارية السيادية والرمزية ، وتفشي الفساد والرشوة وفرض الضرائب المنهكة على الفقراء والمسحوقين ، وعلى رغم ذلك كله لايزال الحكم يرفض التسليم ، بأن الاوضاع في البلاد ، تعيش حالة مأساوية ، وأن ليس هناك أية حالات إستياء من غالبية الشعب ، بل إن هناك تقدم مطرد في مسارات ( المشروع ) وأن الشعب يطرح ثقته الكاملة ب ( أفكار وتوجيهات القيادة السياسية الحكيمة ) ، وهدا الامر الدي لم نجد له أية أثار إيجابية في أراء المواطنين العاديين والسياسيين المعارضين والمثقفين والطلاب والعمال الدين التقيناهم خلال هده الزيارة ، فقد أشار البعض الى أن التظاهرات التي نسمع أو نجدها اليوم في مختلف مناطق البحرين ، ولاسيما تلك المناطق المحرومة من أسباب الرقي والتطور ، لابد أن ينظر اليها على إنها رفض للسياسات القائمة حاليا على مبدأ التمايز الطبقي والجغرافي ، بين الفئات الشعبية المحرومة وتلك المتخمة بالرفاهية المبالغ فيها ، وبين المناطق السكنية الراقية والمناطق المهملة المهمشة

قوى المعارضة ... وانتخابات العام 2006

أثبتت قوى المعارضة الوطنية والاسلامية ، التي كانت قد إعترضت على التعديلات الدستورية وبعض الاجراءات الملكية بشأن السياسات الداخلية والخارجية، ولجأت الى مقاطعة الى مقاطعة الانتخابات النيابية بسبب ما إعتبرته عدم دستوريتها ومخالفاتها القانونية ، إنها لم تكن قادرة على تحقيق أهداف المقاطعة أو إستخدام أية وسيلة مجدية للضغط على السلطة أو الحكم من دون العمل بتنفيد الاجراءات والمراسيم التي إستبدت بالحريات العامة وأمعنت في قهر إرادة الشعب في إمتلاك مصادر السلطات جميعا التي أقرتها نصوص ميثاق العمل الوطني والدستور ، فلم تنجح كل دعواتها السياسية وكل تحركاتها الاحتجاجية الميدانية من تغيير هدا الواقع الخطير والمؤلم ، فقررت بعد عجزها عن ذلك ، أن تخوض معركةالانتخابات النيابية والبلدية على أمل الفوز بنصيب الاسد من المقاعد البرلمانية والبلدية، التي يمكن من خلالها تغيير البيت من الداخل ، أو على الاقل تغيير بعض المسارات الخاطئة في سياسات السلطة والحكم ، على رغم انها كانت مدركة تمام الادراك ، إنها حتى لو كتب لها النجاح في الحصول على غالبية مقاعد البرلمان ، سوف تواجه نصوصا دستورية وقانونية عنيدة وقاسية ، يصعب عليها إختراقها ، فالنصوص والقوانين الجديدة المكرسة في دستور المنحة للعام 2002 ، منع الصلاحيات الواسعة والمطلقة ، التي منحها دستور البحرين العقدي للعام 1973 ، لنواب الشعب ، بتشريع القوانين وإقرارها ومكاشفة ومحاسبة المسؤلين عن افعالهم امام المجتمع ، ولدلك فقد يعتبر هدا المجلس النيابي الحالي ، بالرغم من كونه منتخبا إنتخابا مباشرا من الشعب ، فقط مجرد مظلة سياسية يستظل بها الحكم لتجميل صورته المشوهة في مجال الديمقراطية والحكم الدستوري وحقوق الانسان محليا وعلى المستوى العالمي

ويعزو المراقبون ، أسباب عجز المعارضة عن تحقيق تلك الاهداف والاستحقاقات الوطنية الكبيرة ، والوعود التي أطلقتها لجماهيرها بشأن قدرتها على إستعادة كل ما سلب من نصوص حيوية من ميثاق العمل الوطني ومن دستور البحرين العقدي ، إلا أنها لم تكن تمتلك مشروعا وطنيا متكاملآ يؤهلها لاحداث خطوات التغيير الحقيقية المطلوبة ، ولدلك كانت مشاركة الجمعيات السياسية التي قاطعت الانتخابات الاولى إحتجاجا على التعديلات الدستورية الجديدة المجحفة بحقوق المشاركة الشعبية الحقيقيةفي ممارسة صنع القرار السياسي ، الخطوة الاولئ بأتجاه إستراتيجية تغيير المطالب الشعبية الملحة ، وقبولها بفرض ظرورات الامر الواقع ، كما جاء اعتراف نواب المعارضة والحلف بالقسم على دستور المنحة غير المتعاقد عليه مع الشعب، بمثابة الضربة القاضية للثقة التي منحها الشعب لتلك المعارضة المتهالكة والعاجزة عن إنجاز المهمات الوطنية والشعبية المستقلة عن ضغوط وأوامر السلطة والحكم ، فقد وجدنا في الانتخابات الاولى للعام 2002 ، والانتخابات الاخيرة للعا م 2006 ، كيف اوصلت كل هده الانتخابات المشوهة اشخاصا كانوا مغمورين ومرتجفين في زمن القمع والاستبداد التي حفلت به حقبة قانون ومحكمة أمن الدولة السيئة الصيت ، قبل أن تصنع منهم الدعاية البرلمانية والاعلامية نجوما لامعة في عالم السياسة ، وكيف شاهدنا هؤلاء النواب يتزاحمون على تاييد مشاريع السلطة وتمجيدها ، ويدافعون ببسالة مفرطة عن مصالحهم وامتيازاتهم ورواتب تقاعدهم المستقبلي ، ويقفون مكتوفي الايدي حيال تصاعد الازمة الدستورية بعد الانقلاب على الدستور العقدي واستمرار مخطط التجنيس الرهيب الدي كاد أن يمزق وحدة المجتمع وأمن البلاد ، وقانون 56 الدي غض الطرف عن محاسبة ومحاكمة مرتكبي الجرائم ضد الانسانية خلال سنوات القمع المعتمة في البحرين ، وكل الاجراءات اللاحقة التي تسببت بمقتل واعتقال المئات من المواطنين البحرينيين في التظاهرات المطلبية السلمية ، وقد فات على هؤلاء النواب ، انهم انتخبوا من أجل تمثيل الشعب والنيابة عنه لحل مشاكل الدولة والمجتمع ، وليس لتمثيل أنفسهم وملء جيوبهم بالاموال المسلوبة من قوت الفقراء والمحرومين في هدا البلد .

ولدلك ، فأنه عندما جلس هؤلاء النواب على مقاعد البرلمان حتى كانت أفكار المطالبة بأستعادة دستور البلاد الشرعي غائبة فعليا عن ادهانهم ، فكل مايهمهم بعد دلك سوى الثرثرة والدفاع عن مصالحهم الداتية وليس مصالح الناس والمصلحة الوطنية العليا ، والحق ان الحياة البرلمانية العامة هي في مسيس الحاجة الى نواب اقوياء ومخلصين وقادرين على العطاء المثمر للدولة والمجتمع ، لا الى نواب يتصارعون من اجل المظاهر الرنانة والامتيازات وموائد السلطان .

التجنيس السياسي

في غضون ست سنوات فقط من عمر ( المشروع ) أستطاع الحكم أن يمنح الجنسية البحرينية لاكثر من 90 الف من مواطني الدول العربية والاجنبية ، غالبيتهم الساحقة من الطوائف السنية والمسيحية ، ودلك من أجل إيجاد توازن طائفي بين الطائفتين الرئيسيتين في البلاد ( الشيعية والسنية ) وجعل المستوطنين الجدد ، بمثابة ( الطابور الخامس ) الدي يستطيع التصدي لاية مواجهات محتملة بين السلطة والمعارضة وخاصة الاسلامية ، وبالفعل فقد إستفادت السلطة من هؤلاء في معاركها الشاملة مع المعارضة خلال الانتخابات البرلمانية الاولى في العام 2002 والثانية في العام 2006 ، حيث دفعتهم دفعا للتصويت لصالح مرشحي المولاة التابعين اليها ، في عضوية المجلس النيابي ، ضاربة بدلك عرض الحائط ، كافة القيم القانونية والدستورية والمبادئ الاخلاقية

وفي سرعة فائقة بعد دلك تحول المواطنون الجدد المجنسون ، الى قنابل اجتماعية موقوتة في خاصرة المجتمع البحريني برمته ،والى ادوات فاعلة لخدمة اهداف وطموحات السلطة والحكم ، في مواجهة المطالب الشعبية الاصيلة من خلال مشاركة الكثيرين منهم كموظفين وجنود في أجهزة الدولة القمعية ، هدا بالاضافة لكونهم منافسين للمواطن الاصلي في الحصول على إمتيازات العمل والسكن والتعليم والصحة العامة والانخراط في الجيش ، والتي كانت الى حد قريب جدا موصدة بوجة أبناء وبنات الطائفة الشيعية في البحرين ، وبفضل كل هده التسهيلات التي يحصل عليها المجنسون في البلاد ، انفتحت لهم الابواب على مصراعيها لكي يعبثوا بأمن واستقرار البحرين ، بل واصبح من حقهم التمتع ب ( نعمة ) اقتصاد البلاد ، الدي لم يشاركوا برفده بأي شيئ ، لان مدخراتهم المالية تدهب جميعها الى بلدانهم الاصلية ، ولدلك فقد باتت الاغلبية الساحقة من المواطنين يعارضون مشروع التجنيس السياسي في البحرين ولاسيما المتضررين منه من أبناء الطائفة الشيعية ، وهي نسبة كبيرة من شانها ان تسقط هكذا مشروع في معايير التصويت الشعبي في الدول الديمقراطية المتقدمة

تقرير ... البندر

تحدث التقرير الصادر في شهر ايلول / سبتمبر 2006 ، الدي كشف عنه المستشار السابق في وزارة الخارجية البحرينية صلاح البندر ، وهو بريطاني من اصول سودانية وحاصل على الجنسية البحرينية ، وتضمن مزاعم عن تنظيم سري داخل الحكومة البحرينية يعمل على إقصاء الطائفة الشيعية سياسيا والتلاعب بنتائج الانتخابات البرلمانية الاخيرة في البحرين ، و عن الاخطاء الفاضحة ، التي تدل على المنهجية التي استخدمها الحكم في المؤامرة ضد شيعة البحرين، وقد جمع التقرير أكبر قدر ممكن من التفاصيل عن الخطط والمناهج المعدة لتحقيق هدا الهدف ، وعن جميع المشاركين في هده المؤامرة ، من المسؤلين الكبار في الدولة الى رؤساء الجمعيات السياسي والجمعيات الحقوقية وحتى بعض الموظفين العاديين ، الدي كان يقودهم جميعا وزير شؤون مجلس الوزراء ورئيس الجهاز المركزي أحمد بن عطية الله ال خليفة ، وكان واضحا من كل هده الازمة ، إن معظم الجمعيات السياسية المعارضة لم تظهر اهتماما جادا بخطورة هده المؤامرة ، سوى إصدار بيانات الاستياء والتنذيد ، ولم يشاهد هناك اية أعمال مثمرة لمواجهة دلك التحدي

القلاع الاخيرة

أن عجز المعارضة البحرينية بفصائلها المختلفة الوطنية والاسلامية ، قد فتح المجال امام تيارات ووجوه سياسية جديدة ومستقلة تبرز في الساحة للعب الدور الجديد في مواجهة كل مشاريع السلطة الخاطئة والعقيمة ، بحيث اكتسبت هده التيارات وهده الوجوه ، زخما جماهيريا مؤيدا وداعما لها في مختلف القضايا السياسية والاجتماعية والحقوقية التي طرحتها كبديل عن طروحات المعارضة التقليدية ، والتي كانت دائما تشدد على تفعيل حركة الشارع البحريني ، من أجل طرح مطالبه العادلة باستخدام كافة الوسائل السلمية المشروعة، وأول هده التيارات هي ( حركة الحقوق والديمقراطية – حق - ) الدي يتزعمها الناشط السياسي حسن مشيمع ، وهو أحد الوجوه القيادية البارزة في الحركة الدستورية التي قادت النضال الوطني في تسعينيات القرن الماضي ، والنائب السابق لرئيس جمعية الوفاق الوطني الاسلامية ، الدي إنشق عنها مؤخرا في أعقاب قبولها خوض انتخابات المجلس النيابي للعام 2006 ، ويشاركه في مجلس قيادة هده الحركة وجوه قيادية وطنية واسلامية معروفة من أمثال البرلماني السابق والناشط السياسي الحالي علي قاسم ربيعة ، والمهندس سعيد العسبول والمهندس المرحوم هشام الشهابي والشيخ عيسى الجودر ( وجميعهم كانوا اعضاء فاعلين في لجنة العريضة الشعبية ) التي تصدرت نضالات الانتفاضة الدستورية ، ومدير مركز البحرين لحقوق الانسان ( المنحل ) عبدالهادي الخواجه ، والدكتور عبد الجليل السنكيس ، العضو القيادي السابق في جمعية الوفاق الوطني الاسلامية ، وبالاضافة الى وجود هدا التيار المتحرك الميداني في الساحة ، هناك حركة أحرار البحرين الاسلامية ، التي لاتزال تتخد من لندن مقرا لها ، وتعمل من أجل تغيير الاوضاع السياسية في البحرين من خلال النضال في الخارج، وقد وصف بعض المراقبون ، هدين التيارين ، بأنهما يمثلان القلعة الاخيرة للمعارضة الثورية ، حيث أخدت تسعى هده القوى الى إثبات وجودها في الساحة وتبديد الاوهام حول استحالة قيام حركات سياسية واجتماعية جديدة قادرة على شق طريق النضال من اجل تحقيق المطالب الشعبية المشروعة من دون اللجوء الى استخدام وسائل القوة والعنف ومن خلال نضالاتها المستقلة عن مظلة الجمعيات السياسية الخاضعة لقوانين الدولة الرسمية .

تدابير حريات الرأي والصحافة

رغم التكرار المفرط لتصريحات كبار المسؤلين البحرينيين ، حول توسيع تدابير الحريات في البلاد ، فأن السلطات العامة ، لازالت تنتهك حريات الرأي والتعبير والصحافة بشكل يثير القلق والمخاوف من عودة الماضي القمعي الدي ظل جاثما على رقاب الناس في البحرين على مدى أكثر من ربع قرن من الزمان ، وقد يلاحظ من خلال دلك أنتشار أفراد الامن المكلفة بمراقبة تحركات الناس وسكناتهم خصوصا عندما تكون هناك بعض التظاهرات المطلبية ، والسعي الى اعتقال المواطنين الدين يشتبه بأنهم من ( المخربين أو المحرضين ) على مواجهات السياسات القائمة في البلاد ، وإغلاق بعض المواقع الالكترونية المعبرة عن أفكار وتوجهات المعارصة ، وتمارس نفودا مباشرا على مختلف وسائل الاعلام المكتوبة والمقروئة والمرئية

وضع القيادة السياسية

لازالت الاسرة المالكة في البحرين ، تهيمن على عمليات صنع قرارات الدولة والمجتمع ، وعلى الرغم من كل محاولاتها لتوزير بعض الافراد من خارج محيطها العائلي ، فأن غالبية أفرادها يحتلون اليوم أهم المناصب الوزارية والادارية السيادية والحساسة ، إضافة الى المواقع العليا في مختلف مؤسسات النفع العام في البلاد

وقد حدثت بعض التغييرات الطفيفة الشكلية داخل الجهاز الحكومي الرسمي بعد الانتخابات النيابية الاخيرة ، لم تشمل منصب رئيس مجلس الوزراء خليفه بن سلمان ال خليفه ، الدي ظل يحتفظ بهدا اللقب منذ أكثر من 37 سنة ، و تضاعف عدد أفراد الاسرة المالكة في الحكومة الجديدة ، كما صدرت في الفترة الاخيرة قرارات ومراسيم ملكية تخول أفراد اخرين من داخل الاسرة المالكة القيام بمهام ادارية عليا في أجهزة الدولة الرسمية ، ويظهر من خلال هدا المشهد الراسخ في عقلية الاسرة المالكة نحو حب السيطرة والهيمنة على السلطة والجاه والمال ، انها لن تستطيع التخلي بأي حال عن ممارسة نهج الماضي القمعي الدي ساد البلاد في زهاء 230 سنة من الحكم الاستبدادي التعسفي ، حتى لو حاولت أن توهم الناس والمؤسسات الديمقراطية والحقوقية الدولية بالكلام المعسول حول إتخادها بعض الخطوات الايجابية في مجال القضايا الامنية والحريات .

ندوة شبابية في جمعية العمل الوطني الديمقراطي ( وعد )

عندما قمت بزيارة مقر جمعية العمل الوطني الديمقراطي ( وعد ) في منطقة أم الحصم ، وهي احدى أكبر الجمعيات السياسية المعارضة في البحرين ، لحضور فعالية شبابية ، أقامتها شبيبة الجمعية لتكريم أعضاء ( القائمة الوطنية للتغيير) التابعة للجمعية، التي شاركت في انتخابات المجلس النيابي للعام 2006 ، وقدتخللت تلك الفعالية ندوة سياسية حول الانتخابات التشريعية وأفاق المستقبل السياسي ، تحدث فيها المهندس عبد الرحمن محمد النعيمي رئيس اللجنة المركزية ل ( وعد ) ، والدكتورة منيرة فخرو ، عضو الجمعية وكان الحديث يدور بشكل موسع حول مواقف السلطة الخاطئة في الانتخابات ودعمها الواضح والمباشر للقوى الاصولية المحسوبة عليها، ولكن لم اسمع في حديث النعيمي أو فخرو شرح الاسباب الحقيقية التي دفعتهم للمشاركة في انتخابات مشوهة ومعروفه نتائجها مسبقا ، أو كيف تفسخت التحالفات بين قوي المعارضة التي رصت صفوفها قبل الانتخابات للمطالبة بحدوث تغييرات حقيقية في الدوائر الانتخابية ووقف مهزلة المراكز العامة وغيرها من الامور السياسية والدستورية الشادة ، ثم تسابقت مهرولة للحصول على اكبر عدد من المقاعد البرلمانية ضاربة بعرض الحائط المصالح المشتركة والتحالفات والوعود الكثيرة التي وعدت بها قواعدها والجماهير، وفي هده المناسبة أصر النعيمي ، أن يشركني في الحديث لشباب الجمعية ، عن التجارب النضالية التي اكتسبتها مع المعارضة في المنافي القسرية ، ورؤيتي حول ما كان يحدث في البحرين خلال سنوات القمع المعتمة ، ولاحقا التطورات الجديدة ( في المملكة )، فترددت في بادئ الامر لشعوري بعدم الاستعداد لقول أي شيئ حول تطورات الاوضاع في البحرين بعد ( التغيير الدي اطلق عليه اسم مشروع الاصلاح الديمقراطي ) والدي كنت أنا شخصيا من بين جماهير المعارضين لخطواته المتسرعة والخاطئة ، مفضلا الاستماع حول مايدور في الندوة ولكن اصرار الزميل أبو أمل ، دفعني للمشاركة والحديث في موضوع فضلت أن يكون مقتصرا فقط على أهم التجارب التي كانت تهتم في الاساس بقضايا شعب البحرين السياسية والحقوقية الدي كان للجبهة الشعبية ولجنة التنسيق بين ( الجبهة الشعبية وجبهة التحرير الوطني البحرينية ) ولجنة الدفاع عن حقوق الانسان في البحرين ، الدور الفاعل لتوصيل صوت شعب البحرين في المحافل العربية والدولية ، وتجنبت الحديث عن الوضع الداخلي لقناعتي بأنني لم أستطيع على الاطلاق أن أضيف أي جديد على الواقع المر الدي تعيشه البلاد في ظل الانقلاب على نصوص ميثاق العمل الوطني ودستور البحرين العقدي للعام 1973 ،وبالمناسبة فانه في بداية الحملة الانتخابية للبرلمان هاتفني النعيمي مستوضحا موقفي من مشاركته في هده الانتخابات ، قائلآ انه لاينسى استشارة رفاقه وسماع رأيهم في الامور الصعبة الدي ينوي إتخادها على المستوى السياسي ، فأجبته بصريح العبارة ( انت تعرف موقفي يا أبو أمل ليس فقط من موضوعة الانتخابات التي لاأرى جدوي من قيامها سوى إعلان الدعاية للسلطة والحكم بنجاح مشروعهما ( الديمقراطي ) بل ما أطلق عليه مشروع الاصلاح برمته، ومادمت قد إخترت هده المشاركة فعسى الله يوفقك ويكون في عونك ) وبالفعل شارك النعيمي في هده الانتخابات المشوهة والتي لم تحظى باجماع وطني ، وتصدى لحرب ضروس مزدوجة قوامها السلطة والحكم وحلافائهم الاقوياء من الاصوليين المسلمين وبقايا من كانوا يطلقون على أنفسهم بالوطنيين القوميين واليساريين ، الدين تأمرو عليه واسقطوه بالضربة القاضية في الجولة الثانية من الانتخابات ، وبذلك خسرت البحرين وشعبها في المجلس النيابي رمز من رموزها التاريخية المدافعة بحق وحقيقة عن الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان في البلاد ، فالنعيمي لم يظلم أحدا أو يتأمر على أحد ولم يخرب ولم يفجر ولم يطمع في المناصب ولا في جمع المال ولم ينتهز الفرص ولم يخون القضية ، ولكنه استطاع أن يقول وبكل شجاعة كلمة حق امام سلطان جائر ، فبدلآ من مكافاته وتقديم وسام الشرف الوطني اليه تم التأمر عليه، وفي مختصر مفيد تحدثت عن بعض الاخطاء القاتلة في ماسمي بمشروع الاصلاح ، وكنت مقتنعا بأن هدا المشروع الدي جاء فقط ليستر عورات الحكم وليعطيه الشرعية التي كان يفتقدها منذ السنوات الاولى للغزو ، والتي ارتكبت فيه أخطاء فادحة في حق الشعب ليس مؤهلآ للعطاء والازدهار والتقدم ، واما الجمعيات السياسية والقوى الاخرى التي باركت وهللت لهدا المشروع ، فأنها أعجز من أن تحقق أهداف التغيير الحقيقي والجوهري الدي ناضلت واستشهدت من أجله اجيال من شعب البحرين ، ولاكن لم يسعني في هدا المجال سوى توجيه النصح وبعض الارشادات المفيدة لشباب المستقبل، وحثهم على العمل والعطاء المثمر والاستمرا في النضال الحقيقي ، وقبيل إنصرافي من القاعة بعد انتهاء الندوة ، تفاجئت بأحد الاشخاص يهمس في إدني ليقول لي ( كل ماكنت تقوله حول فشل مشروع الاصلاح والمواقف السلبية للجمعيات السياسية هو حقيقة قائمة في البلاد ويجري التستر عليها من اصحاب المشروع والمناصرين له ، وان البلاد تحتاج الى قيادات فاعلة وقوية ومقاتلة من أجل الحق وشدد على القول زاعما بان البحرين تحتاج بعد هده الاسقاطات كلها الى ( استخدام اساليب القوة والكفاح الثوري ) والتفت اليه وشددت على يديه وقلت له أن تحقيق المطالب الشعبية من دون وجود جبهة وطنية عريضة ومتماسكة وقادرة على احداث التغيير المطلوب فان الطريق الى قيام دولة المؤسسات والقانون سيكون شاقا وعسيرا جدا .

مأدبة غداء مع أبناء الدراز الاعزاء

كانت الدعوة الكريمة الدي قدمها لي صديق الطفولة ، وهو أحد المناضلين القدماء في صفوف جبهة تحرير شرق الجزيرة العربية ، الدي تعرض للسجن سنة كاملة، بعد المحاكمات السياسية التي إجريت لقيادات الجبهة في العام 1971 ، سيد مصطفى حسين علوي، لتناول طعام الغداء في ضيافته ، مناسبة جيدة لارتفاع وتيرة العلاقة التي إنفصمت بيني وبين أبناء قريتي ، على مدى أكثر من 25 سنة ، بسبب النفي القسري المفروض فرضا من قبل النظام في البحرين ، حيث ساهمت جهود الصديق العزيز ( أبو علوي ) في دعوة أكثر من عشرين شخص من أبناء القرية لحضور هده المأدبة ، حيث تبادل الجميع أطراف الحديث عن هموم القرية التي هجرتها منذ ريعان الشباب ، وظلت حتى بعد عودتي من المنفى ، قرية مهملة بائسه ، شأنها شأن قرى البحرين الموحشة والمنسية ( من أنعام السلطة الحاكمة وترفها ) ، فحدثتهم كثيرا عن معاناة المنافي القسرية وعن نضالات المواطنين البحرينيين ، المبعدين والمنفيين في مختلف العواصم العربية والعالمية وتجرعهم مرارة العداب والبعد عن الديار والاهل والاصدقاء والاحبة ، وتضحياتهم في سبيل الشعب والوطن حيث تشعبت الاسئلة والاجوبة حول هده القضية ، في ماهم تحدثوا لي عن الهموم المتزايدة في القرية ، وإشتداد وطأة الفقر المدقع لدى عوائل كثيرة بسبب عطالة أبنائها عن العمل وعدم حصولها على أية مصادر للعيش اليومي ، فقال بعضهم ، أن القرية لم يمسها التحديث والتطوير منذ أكثر من 25 سنة كاملة ، وهي لاتزال تعاني من تدني مستوى الخدمات الصحية ومياه الشرب الجيدة والصرف الصحي والشوارع المزفلته والاضائة وغيرها من المستلزمات الضرورية الاساسية للحياة العادية ، وقد تعرضت القرية الى حصار شديد وظالم على أيدي قوات الامن والمخابرات طوال سنوات الانتفاضة الدستورية المباركة في تسعينيات القرن الماضي ، التي عبثت بأستقرار وامن الناس في هده القرية المسالمة وقصفتهم بالطائرات المروحية والغازات المسيلة للدموع ، حتى استشهد برصاص جنودها ثلاثة شهداء أبرار من أبناء القرية، واعداد كبيرة من المعتقلين والمسجونين والموقوفين على ذمة التحقيق، الدين إخدوا عنوة الى مراكز الامن ، حيث مورست ضدهم هناك أبشع أنواع التعديب الجسدي والنفسي

يوم رحيل الشهيد المجاهد الشيخ الجمري

اتصل بي في ساعة مبكرة عشية رحيل الشهيد المجاهد الشيخ عبدالامير الجمري ، الزميل الناشط السياسي سعيد العسبول ، يخبرني بوفاة الشيخ الجمري ، دلك الرجل الرمز الدي ضحئ بكل غال ونفيس من أجل الحرية والديمقراطية ونصرة الفقراء في البحرين ، والدي داق مرارة السجون والتعديب النفسي والتنكيل بجميع أفراد عائلته من دون وجه حق ، واستشهد بعد معاناة شديدة مع الامراض التي تعرض لها في غياهب السجن ، بعد أن ملاء الدنيا وشغل الناس في البحرين بنضالاته المعروفة، ثم حدد معي موعدا للدهاب معه في المساء لتقديم واجب العزاء لعائلة الشهيد الشيخ الجمري ، وقال انه كان متفقا في الاساس مع الزملاء الاستاذ علي قاسم ربيعة والمهندس هشام عبد الملك الشهابي والمحامي أحمد الشملان والشيخ عيسى الجودر ( وجميعهم كانوا رفاق الشيخ الجمري في لجنة العريضة الشعبية التي قادت نضال الحركة الدستورية في سنوات التسعينات من أجل عودة البرلمان والمواد الحيوية المعطلة من دستور البحرين العقدي للعام 1973 ، لكي ندهب جميعا الى قرية بني جمرة لتقديم التعزية لزوجة الشيخ الجمري السيدة الفاضلة ( أم جميل ) وبالفعل دهبنا جميعا في سيارة هشام الشهابي ( أبو عمر ) فشاهدت في تلك الليلة القارسة البرودة قوافل بشرية جرارة وسلسلة على مد العين والبصر من السيارات متجهة الى تلك القرية الصغيرة والتي إمتلاءت عن بكرة أبيها بالرجال والنساء والشباب والاطفال ، يرفعون الرايات السوداء ، وتنطلق من حناجرهم زغاريد الحزن والبكاء على رحيل الشهيد الجمري ، أبو الفقراء والمسحوقين في البحرين والدي قدم روحه فداء للوطن والشعب برمته ، وقد استمرت قوافل الناس المعزين بهدا الراحل الكبير، طوال ثلاثة أيام بلياليها تتدفق على جامع سار لقراءة الفاتحة، بعد أن ووري جثمانه الثرى في مثواه الاخير بمسقط رأسه في قرية بني جمرة شمال البحرين ، من خلال موكب جنائزي مهيب شارك فيه عشرات الالآف من المواطنين يتقدمهم أفراد عائلته وعلماء الدين الافاضل والرموز والقيادات الوطنية والاسلامية وبعض المسؤلين الرسميين في البلاد

النعيمي ... شامخا في مجلس بدريه علي

وصورته تعانق جدار صالة الجلوس .

قبل أيام قليلة من مغادرتي البحرين متوجها الى مقر إقامتي في الدنمارك ، تلقيت دعوة كريمة من الزميلة المناضلة بدريه علي ، وهي واحدة من الوجوه النسائية المعروفة في ميدان العمل الاجتماعي النسائي في البحرين ، وعضو في جمعية العمل الوطني الديمقراطي ( وعد ) وحاليا رئيسة الجمعية البحرينية لمقاومة التطبيع ، لحضور مأدبة عشاء في منزلها في المحرق بالقرب من الحوض الجاف ، خصصت لاستضافة بعض أصدقائي المناضلين القدامى ، وتركت لي الخيار لدعوة ما شئت من الاصدقاء لحضور هده المأذبة، لتكون المناسبة أشبه بأحتفالية تكريمية بسيطة لمناسبة وجودي في البحرين ، ومن أجل أن يستعيد الجميع من خلالها ماتبقى من ذكريات سنوات النضال البعيدة في المنافي القسرية ، وكدلك الاوضاع الجديدة القائمة في البلاد بعد الانتخابات البرلمانية الاخيرة، وبعد جولة سريعة في رحاب البيت المكونة على شكل تحفة معمارية بسيطة ، لفتت نظري في صالة الجلوس صورة عملاقة للمناضل الرمز عبد الرحمن محمد النعيمي ، كانت تغطي المساحة الاوسع لوجه الصالة ، فسألت صاحبة الدعوة السيد بدرية علي ، لماذا الصورة كبيرة الى هدا الحد ، وما معنى عرضها في مكان بارز يكاد أن يشغل ربع جدار الصالة الكبيرة ؟ فأجابت قائلة ، ان تراثه النضالي الاصيل يبقى شامخا في هده الصورة امامنا ( كل هدا ونحن مقصرين في حق ( أبو أمل ) عبد الرحمن النعيمي ، المناضل الرمز و ( الاب الروحي ) الذي عودنا على خوض معارك النضال من أجل خدمة هدا الوطن وفقراء هدا الوطن ، من دون أن يكل ويتعب ، وهو بذلك يستحق منا نحن تلامذته وأبنائه ، ليس فقط عرض صورته في بيوتنا ، إنما يستحق منا غرسها في صدورنا وقلوبنا ، وفي المناسبة كان النعيمي ، الدي اصطحبني معه في سيارته لحضور العوة حاضرا معنا في هده المأدبة ، وأظنه كان لم يستمع لهدا الحديث ، بسبب إنشغاله بالرد على بعض الاسئلة التي كانت تنهال عليه من الزملاء الحاضرين ، حول تطورات الاوضاع في البحرين بعد الانتخابات البرلمانية الاخيرة التي زورت نتائجها السلطة الحاكمة وزجت بالمقربين منها الى معترك السياسة ودخول البرلمان من دون وجه حق ، والذي كان النعيمي أحد ضحايا هده الانتخابات ، حيث تأمرت عليه السلطة ، وحولت فوزه في دائرته الانتخابية في قلالي إلى خسارة ، بسبب دفعها بجحافل الناخبين والاصوات المرتزقة في المراكز العامة للانتخابات ، لتصب جميعها لصالح منافسه ( الاصولي والموالي للسلطة ) النائب الحالي في البرلمان عيسى أبو الفتح ، ولعل النعيمي قد شعر ببعض أطراف الحيث الدي دار بيني وبين السيدة بدريه علي ، عندما أشار في جزء من أحاديثه في المجلس والتي إستقطبت اهتمام الجميع نظرا للتحليل السياسي العميق الدي ادلى به النعيمي حول خطورة الاوضاع في البحرين على المديين الراهن والمستقبلي ، بعد الانقلاب على نصوص ميثاق العمل الوطني وتزوير الانتخابات وحصار المشاركة الشعبية في صنع قرارات المجتمع، بأن ( الشهداء وضحايا التعذيب والنفي القسري والفقراء والمسحوقين ) في هدا الوطن ، هم فقط من يستحق التكريم وهم من يجب أن تنشر صورهم في البيوت وتحفر أسمائهم بحروف من ذهب في ساحات وشوارع البحرين .

وبالفعل كانت المناسبة جيدة وممتعة ، حيث شارك الجميع في مختلف محاور النقاش ، والتي تركزت بشكل خاص على السياسات الخاطئة والعقيمة للسلطة الحاكمة في البلاد ، وكيفية السبل الكفيلة بمواجهتها عبر استخدام الوسائل الحضارية السلمية الجديدة والمشروعة لنضالات الشعوب من اجل الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان ، المنصوص عليها في الدساتير والمعاهدات والشرائع الدولية، نأمل أن تتكرر مثل هده المناسبات بين الزملاء المناضلين في البحرين ، من أجل التواصل و إثراء مستوى النقاش و الحوار الجاد بينهم

الأحد، 7 ديسمبر 2008

عبد الوهاب حسين ... فرصة الحوار الأخيرة

بعد مضي أكثر من عشرة شهور ، على مبادرة الحوار والمصالحة الوطنية ، الذي أطلق عنانها ، الناشط السياسي ، عبد الوهاب حسين ، من أجل قيام مشروع وحدة المعارضة، وبرنامج عمل وطني ، وقيادة مسوؤلة تلتزم بقضايا الناس والوطن ، يتساءل الكثيرون – ونحن منهم – عن المصير الذي آلت اليه هذه المبادرة،بعد أن تعذر على جميع القوى الراعية فيها ، المضي قدما نحو تحقيق أهدافها المنشودة ،ومن أبرزها قضايا الاصلاح الديمقراطي و تعزيز مسألة الحوار والمصالحة الوطنية ،هل أضاع المشاركون في المبادرة ،من جمعيات سياسية ونشطاء سياسيين وحقوقيين وشخصيات مستقلة، الفرصةالأخيرة لإنجاح المبادرة بعد فترة طويلة جدا من التباعد وتعليق الحوار بينهم ؟ أم انه لاتزال امامهم فرصة واحدة وأخيرة ، يمكن من خلالها العودة إلى النقطة التي إنتهى عندها الحوار ، وبالتالي تضميد الجراحات التي مزقت شمل هدا التحالف ؟

المعلومات الواردة مؤخرا ، من أكثر من مصدر ،تثير المخاوف ، وتفيد بأن صاحب فكرة المبادرة ومنسق اعمالها الناشط عبدالوهاب حسين ، يتأهب للاعلان قريبا ،عن تعذر المضي في متابعة أعمال المبادرة ، بسبب وجود عقبات وعوائق كثيرة تعترض طريق الحوار والمصالحة ،بعد انفراط عقد التفاهمات الايجابية ، والتأجيل المستمر لجلسات الحوار والتفاهم ،وانسحاب بعض المشاركين من الشخصيات الوطنية والاسلامية ، احتجاجا على ضعف مستوى العمل وقصور المشروع الوطني ، ورغبة بعض الجمعيات السياسية المؤثرة في الساحة ،في الاستحواذ على القرار ، وعلى تأكيد وتكريس ضبغة عقائدية معينة في صلب برنامج العمل الوطني ، الذي يجب أن يتحرر من أية قيود مذهبية وعقائدية وحزبية وطائفية ،و تعثر السبل الكفيلة بدعم فرص الاستمرار في النجاح. إذ يذهب عديدون ممن لايشك بتعاطفهم مع مسارات المبادرة ، الى أن عبدالوهاب حسين ، كان منذ اللحضة الاولى لولادة مبادرته ،يبذل أقصى مالديه من جهد ،في سبيل إيجاد صيغة توافقية للحوار تكون مقبولة للجميع ،حتى يتمكن من شق طريق المتابعة بتجاوز المعضلات والمشاكل المعقدة ،ولكنة مع بالغ الاسف ، تعسر عليه التفاهم مع جماعات متنافرة ومتخاصمة بسبب توجهاتها السياسية والعقائدية والطائفية التي كانت سائدة منذ عقود بعيدة مضت. وهو لايزال حتى الآن يعاني من عدم القدرة على تجميع الصف الوطني ،واقناع الجمعيات السياسية وشخصيات المعارضة ، من العودة الى طاولة الحوار وإحياء المبادرة من جديد ، نتيجة لتعمق الشرخ بينهم ،حتى حيال من هم مازالوا يشدون إزره ، ويناضلون من أجل إنجاح المبادرة وتعزيز دورها في قيادة الساحة الوطنية.

والحقيقة ، أن هذه المبادرة التي أراد لها عبد الوهاب حسين أن تخرج بمشروع وطني موحد لحماية مصالح الناس والتأكيد على حقوقهم ،ونبذ الفتنة الطائفية المستعرة منذ فترة طويلة ،لم تكن لتتوقف وخاصة في هذا الظرف الصعب ،لو لم تكن هناك حساسيات مفرطة بين جمعيات سياسية وفئات وشرائح اجتماعية وعقائدية وطوائف في المجتمع ، وثقافات أمتيازات ومصالح واقصاء وتهميش ، من مختلف قوى المعارضة ، لاثقافات تفاعل وتلاحم وحوار ومصالحة. لو لم تكن هناك ثقافات تشذد وانغلاق على الذات ، وعدم الاعتراف بالآخر كشريك فعلي في قيادة المشروع الوطني وتحمل المسؤولية ،أي أن الاعتراف بالآخر طريق لتحقيق الأهداف الوطنية المنشودة.

الانقسام والتباعد والتنافر الحاصل اليوم ، بين الاطراف المشاركة في المبادرة ،يؤكد بصورة قاطعة هشاشة دور المعارضة وتحالفاتها ،وتبين أنها معارضة يائسة ومشرذمة ومدجنة، ولم تستوعب بعد مسائل الحوار الديمقراطي والتعايش السلمي والتغيير الحقيقي والجوهري ، على رغم مايقال من أن بعضها كان يتمتع بخواص وتجارب نضالية عريقة. وماهو واضح اليوم، أن فريقا منها يريد الاستحواذ على مفاصل القرار والتمسك بنهجه السياسي والعقائدي ، بينما فريق آخر يحاول بشتى الوسائل أن يصفي حساباته مع الآخر ، ويسعى للاخلال بموازين الحصص والتفاهمات لمصلحته من دون محاولات التصدي لسياسات الظلم وإنعدام المساواة والتشهير والتكفير والتناحر الطائفي.

وفريق ثالث إستسلم في قرارة نفسه أمام التطورات والتغيرات الجديدة الطارئة على الدولة والمجتمع ،وسلم بالتالي انه لاتوجد هناك أية حلول للمعضلات والمشاكل القائمة في البلاد ، سوى الخضوع لضرورات الأمر الواقع ، وإنتظار ما ستسفر عنه الاأام القادمة من مشاريع أو مكرمات من اصحاب النفوذ في السلطة والحكم. ولكن هناك من هم من لايزال ،يؤمن -وهم قلة قليلة – بأن بعض الاوراق السياسية مازالت باقية ولم تحترق بعدبشأن المطلب الديمقراطي وحقوق الانسان ، وبأستطاعتهم لعبها بتحريك الشارع بالوسائل السلمية،ولتحقيق حلم غالبية الناس بالعيش في مجتمع العدل والمساواة والتكافؤ الاجتماعي.

وماهو واضح أيضا ، أن قوى المعارضة والتغيير في البلاد ،تعيش هذه المرحلة في أزمه خانقة تسببت بها لنفسها ،من اهمها على الاطلاق ، إفتقادها لمشروع سياسي جوهري وحقيقي ، وقيادة جماعية أو إحادية قادرة على استيعاب التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها البلاد حاضرا وفي المستقبل ، وقادرة على إقناع الناس بمشروعاتها وتحركاتها الوطنية ،لضمانات التفافهم حولها ودعمها في المسائل الجوهرية المطلبية. وكانت لديها الفرصة للانطلاق بمشروع قيادة وطنية مناضلة ومضحية، مدعومة بشخصيات وطنية واسلامية ملتزمة بقضايا الناس والوطن من بين المشاركين في مبادرة الحوار الوطني أو سواهم ، وفي مقدمة هؤلا الناشط السياسي عبد الوهاب حسين ، المعروف بأستقامته والمناضل الذي رافق الشهيد الشيخ عبد الامير الجمري ، ذلك الشيخ الجليل والقائد الرمزالذي ناضل من أجل كل الشعب والوحدة الوطنية في كل سنوات نضال الحركة الدستورية في تسعينيات القرن الماضي، والذي لاتنقصه شروط القيادي المعارض الصلب.

انه من المحزن حقا ، أن يتوقف العمل بهذه المبادرة بسبب بعض التجاذبات الفكرية وحفنة الامتيازات السياسية والذاتية ، وأن تتبدد أحلام كبيرة عقدت على وجود قيادة وطنية واحدة وموحدة تنتصر لقضايا الانسان والوطن. فهل يمكن أن تدرك قوى المعارضة والتغيير هذه الحقيقة ، وتبادر لالتقاط الفرصة الاخيرة التي يمكن لها إعادة الروح الى هذه المبادرة بشفافية وموضوعية؟ وتبادر أيضا الى عمل إيجابي مفيد يحقق أحلام الناس في الديمقراطية والحريات ، ويعزز من دور الوحدة الوطنية ؟



هاني الريس


الخميس، 20 نوفمبر 2008

الوزير الأول ... في دار العجزة

اهتمت الصحف الدنماركية الصادرة صبيحة يوم 13 تشرين الثاني / نوفمبر 2008 ، بحدث يعتبر غير مألوف في تاريخ البلاد ، وهو يتعلق بانتقال رئيس الوزراء الدنماركي الأسبق أنكل يانسن ، البالغ من العمر 86 عاما ، والذي ظل ممسكا بزمام السلطة في البلاد طوال 12 سنة من الزمن قبل ان يتركها في العام 1972 ، من شقته المتواضعة في أكثر أحياء العاصمة الدنماركية فقرا ، بعد أن عاش فيها وحيدا منذ العام 1997 ، بعد وفاة زوجته أنكريد يانسن ، التي كانت تساعده في أعباء حياة الأسرة، الى دار المسنيين ( العجزة ) حيث سيعيش هناك بقية حياته بين الناس العاديين ( العامل والفلاح والبحار والمنظف والمعلم وسائق التاكسي وغيرهم من افراد الشعب ). وغرابة ذ لك الحدث تكمن في النهاية المؤسفة لرئيس وزراء البلاد ، التي تطورت وتوسعت في عهده معظم وسائل التعليم والصحة والثقافة والخدمات الاجتماعية العامة ، وكان ذات يوم رئيس الاشتراكية الدولية ، ليكون أحد القاطنين في احدى دور العجزة في البلاد .

وذكر مسؤول في الحزب الاشتراكي الديمقراطي ( ممثل حكومة الظل ) الذي ينتمي اليه رئيس الوزراء الاسبق أنكل يانسن ، بأن سبب انتقاله، من شقته الواقعة في المنطقة العمالية وفضل البقاء فيها على مدى 45 سنة مضت ، يعود الى الصعوبات التي يواجهها، في تسلق السلم الى الطابق الثالث حيث تقع شقته. وأضاف: ان قرار الانتقال جاء بناء على رغبة الوزير الاول أنكل يانسن ، بالاقامة والعيش الى جانب الناس الذين وجدوا أنفسهم في شخصه ، وسوف تقوم الشركة المالكة للشقة بعرضها للايجار .

ولو قارنا ذلك الحدث ، مع مايجري في دول أخرى مثل البلدان العربية وبلدان العالم الثالث، التي مابرحت تدعي بممارسة الديمقراطية والمساواة والعدل والمشاركة الحقيقية في المجتمع ، لأمكن تخيل الوضع المختلف إختلافا جذريا ، لما هو عليه الحال في الدنمارك أو في أي بلد آخر يحترم قيم الديمقراطية والحكم الدستوري وحقوق الانسان ، حيث يحتكر حكام تلك البلدان مختلف وسائل السلطة والقمع ، وتنوع الامتيازات التي تفوق كل التصورات ، من القصور والخدم والحشم وإقتناء السيارات الفارهة وإمتلاك المزارع والمجمعات السكنية النموذجية والابراج التجارية الضخمة المصممة على طريقة ناطحات السحاب. هذا بينما كان أنكل يانسن ، المناضل العامل الذي خرج من صلب الطبقة الكادحة الفقيرة ، وهو رئيس الحكومة القادر على إمتلاك مثل هذه الامتيازات الدنيوية الزائلة ، يعيش طوال حياته في شقة متواضعة جدا ومستأجرة من إحدى شركات الاسكان ، حيث لايرغب في شيئ من أملاك الحياة الدنيا ، سوى قلوب الناس الفقراء ، من وهب حياته لخدمتهم واحترامهم .

ومنذ أن كان أنكل يانسن ، مناضلا في صفوف الحركة العمالية الدنماركية ، أشتهر بحياة التقشف والصبر والتواضع ونكران الذات والعمل من أجل خدمة الطبقة الوسطى والفقيرة في المجتمع ، وكان شديد الحماس لمناصرة قضايا الشعوب المضطهدة والمحرومة. وعندما قصدناه ذات يوم من أجل التضامن مع شعب البحرين في محنته خلال سنوات الانتفاضة الدستورية في تسعينيات القرن الماضي ، لم يبخل علينا بذلك ، فكان أحد الداعمين للعريضة المطلبية للمعارضة ، التى وقع عليها قرابة ثلاثة آلاف مواطن دنماركي من مختلف الفعاليات السياسية والثقافية والفكرية والعمالية والطلابية وغيرها من الفئات والشرائح الشعبية التي تعرفت على قضايا شعب البحرين خلال تلك الفترة العصيبة. وها هو أنكل يانسن اليوم يؤكد حرصه وتمسكه بمواقفه المبدئية ، وتشدده في الانتماء العضوي لأبناء الطبقة العاملة من افراد شعبه الذين مازالوا يتذكرون كل إنجازاته التاريخية الجليلة. وطبعا المخلصون في خدمة الاوطان والشعوب هم وحدهم فقط من يستحق الذكر والاحترام والتبجيل، وهم وحدهم الذين يبقون في نظر شعوبهم وأمتهم ( الرموز والابطال ) فهم الذين يغامرون دائما ضد المألوف ويسعون لتكريس أواصر المحبة والاخلاص والعمل في خدمة شعوبهم.

إن ظاهرة أنكل يانسن، هذه لها وجهان ، الاول شخصي ، وهو الذي يتعلق بالكشف عن معدن هدا الرجل ، الذي كان ولايزال زاهدا بكل مظاهر السلطة والبذخ ، مكرسا حياته لخدمة شعبه ووطنه ، والثاني يتمثل بطبيعة النظام السياسي للدولة الديمقراطية الدستورية العصرية ، حيث منصب رئيس الوزراء ومجمل الموظفيين الرسميين في السلطة، هو عبارة عن تكليف وواجب وخدمة وطنية، أكثر مما هو إمتياز وتمسك بالحكم والجاه. فما أن يترك الشخص مثل هده المناصب الرسمية الرفيعه ، حتى يعامل حسب آلية النظام كمواطن عادي شأنه شأن كافة المواطنين الاخرين ، تنطبق عليه كافة القوانين والتشريعات والاجراءات المكرسة في الدستور والنظام السياسي ، فلافرق هناك في شروط المواطنة بين رئيس الوزراء وبين العامل والموظف والفلاح ، فهم في كفة واحدة امام القانون .



الخميس، 9 أكتوبر 2008

فكرة السلطة و إعطاء الممارسة الديمقراطية مدلولها الحقيقي

فكرة السلطة

فكرة السلطة

" هل باتت المسألة الديموقراطية في البحرين بضاعة مفقودة؟

في تعريفه لفكرة السلطة وطبيعة ممارستها وأشكال وعيها السياسي والاجتماعي والاقتصادي، يرى ماكس فيبر أنها تمثل " أساس الشرعية " أي الشرعية التي يخضع لها كافة أفراد المجتمع ويطيعونها احتراما للدساتير والأحكام والقوانين التي تبنى عليها القوة السياسية والاجتماعية وتأكيد الهوية الوطنية, وخلص إلى ثلاثة أنواع لتعريفها :

  1. السلطة التقليدية : وهي السلطة المبنية بحسب العادات والتقاليد والقيم الروحية والأخلاقية التي على أساسها تكونت المجتمعات ونمت وترعرعت في مراحل زمنية متفاوتة ومتباينة على أشكال التنوع البيئي أو الإقليمي أو التنظيم الاجتماعي والاقتصادي والعقائدي , الذي يتفق وطبيعة منبتها وتكوينها الأساسي , وبذلك نجد أن السلطة في المجتمعات التقليدية تكون في أيدي الأسر المالكة , وفي المجتمعات المادية تكون في قبضة رجال الاقتصاد والمال , وفي المجتمعات المحافظة والمتدينة تكون خاضعة لقوة ونفوذ رجال الدين.

  2. السلطة العقلانية : وهي السلطة القانونية والشرعية , التي تستمد أساس شرعيتها من الدستور والقوانين وكافة النظم المعبرة عن الإرادة العامة للأمة , حيث لا يستطيع فردا واحدا ولانخبة احتكار السلطة أومحاولة فرضها بالقوة , لأن فرضا كهذا من شأنه أن يخلق الفتن والأزمات والمصاعب والتحديات التي تواجه المجتمع , وتجعله يقف ندا لمواجهتها والثورة ضدها.

  3. السلطة الأسطورية : وهي سلطة تظل محصورة أساسا في انسان عبر المجتمع (الزعيم الكاريزمي) والذي يبقى خاضعا لاحترام وقدسية خاصة تعبر عن أهداف وطموحات وتطلعات المجتمع في فترة زمنية معينة , أو سلطة ديماغوجية , أو في قائد حركة تحررية أو رئيس حزب سياسي معروف بشجاعته وقدرته على طرح برامج سياسية واجتماعية واقتصادية ممتازة , ويطالب بحقوق أكبر طبقا لذلك , ولا يجوز أن ننسى انه مع كل ثورة حدثت في العالم القديم أو الحديث المعاصر , كان هناك زعماء وقادة أسطوريين , حاولوا أن يغيروا مجرى التاريخ في مجتمعاتهم ويهزوا العالم.


وجاء كذلك في تعريف مفهوم السلطة في معجم المعارف الأجنبية "على أساس إنها , أي السلطة تعني بصورة عامة تفوقا خارقا يمتلك عليه الفرد ويمنحه القدرة على التأثير في الآخرين , أي أن يستطيع إسداء الرأي والنصح وأن يحكم بالعدل ويتصرف بما هو واجب وبما هو نافع لحياة الأمة والمصلحة الوطنية العليا.



وحسن سعيد الكرمي , صاحب (قاموس الهادي إلى لغة العرب) يرى بأن "السلطة تعني القدرة والملك، ويشير بالفعل منها إلى التسلط، كمثل تسلط الأمير على البلاد– حكمها وسيطرعليها، وتسلط القوي على الضعفاء – تغلب عليهم وقهرهم – وسلط الله عليهم سلطانا جبارا غلبه عليهم وجعل له عليهم السطوة والتغلب والقهر".

هذا ومن منطق الشرع الديني " فان أساس الحكم هو شرعيته لا استبدا ديته وليس لأحد من الناس الحق أن يتحكم بشؤون العامة ويفرض عليهم الطاعة له وتقديسه، وقد جاء في سورة الكهف من القران الكريم(ص 157) "لقد سوى الله تعالى بين الناس من حيث التكوين"، وعليه فلم يخلق الناس بالانقسام إلى طبقات متفاوتة ، طبقة أشراف وطبقة عوام، وهذا الأمر يبين حقيقة المساواة بين جميع البشر. وانه ليس لأحد حق السيطرة على الآخرين من منطلق مركزه أو حالته الاجتماعية أو الاقتصادية أو غيرها، فالجميع يتساوى أمام الله تعالى، الغني والفقير، الشريف والوضيع، والكل يتلقى حسابه عند الله تعالى بموجب أعماله.


نريد أن نخلص من ذلك كله إلى بيت القصيد من هذه الاقتباسات, وهو تحديد معرفة طبيعة السلطة في البحرين , كيف تمارس السياسة , وكيف تتصرف وتفرض سلطتها على الشعب, ومحاولة دحض ما تدعيه من انها انتقلت من سلطة الإدارة التقليدية إلى مستوى الحكم الديموقراطي الدستوري.


على الرغم من كل ما يردده كبار المسؤولين في البحرين وتحاول الصحافة البحرينية ترويجه محليا وعلى المستوى الخارجي , من أن البحرين بعد الاستفتاء على ميثاق العمل الوطني الذي اقر في العام 2001 , قد تحولت من دولة ذات طابع اداري تقليدي الى مملكة ديموقراطية دستورية على غرار الممالك المتقدمة وأصبحت من خلال ذلك واحة للديموقراطية واحترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية , فيما دعت الحكومات الأخرى , بالاقتداء بهذه " التجربة الرائدة " بحسب تعبيرها – في جميع المجالات وخصوصا مجال الديمقراطية ونظام الحكم الدستوري , فقد أكدت الفقرة السابعة من الفصل الثالث لميثاق العمل الوطني , على صفة الحكم الدستوري وحرية الإرادة الشعبية.حيث جاء فيها " وحيث إن البحرين منذ الاستقلال التام أكملت نضجها كدولة في علاقاتها الدولية , وفي مؤسساتها القائمة على المساواة بين المواطنين ومراعاة مصالحهم , وبما لا يستند على حكم الفرد والنخبة , وبما يعبر عن إرادة المواطنين ووحدتهم الوطنية , فانه قد حان الوقت للانتقال من وضعية الإدارة التقليدية , إلى مستوى المملكة الدستورية " , ما يعني عمليا نهاية المرحلة الأخيرة من عمر النظام السياسي المستند على وضعية الإدارة التقليدية , والانتقال المباشر إلى نظام حكم يستمد شرعيته من الدستور والقوانين وسلطة الشعب والمؤسسات الديموقراطية البرلمانية , التي تمارس النقد والمسائلة والمحاسبة وتبني الرؤى السياسية والوطنية المستقبلية.


ولكن من الملاحظ بشكل عام منذ الاستفتاء على ميثاق العمل الوطني وحتى الآن، هو تكريس نمط الخطاب السياسي التقليدي، والتركيز على سياسة الاستحواذ واحتكار السلطة وصناعة القرار وتحريف منهجي لما نصت عليه فقرة الدولة الدستورية والمؤسسات القائمة على المساواة بين المواطنين، بدلا من الدفع عن طريق المشاركة الشعبية في اتخاذ القرارات عبر المؤسسات الديموقراطية الدستورية وفي مقدمتها برلمان منتخب شعبيا ويمتلك كافة الصلاحيات القانونية والتشريعية.


إذا على امتداد سنة ونيف من الاستفتاء على الميثاق، كانت البحرين تعيش تحت وطأة النظام السياسي التقليدي الفاقد لنظام الشرعية الدستورية وكان عجز السلطة عن التحرر من تقاليد الماضي وامتيازات الماضي، فاق كل التصورات والتوقعات، حتى وقد فرضت التساؤلات نفسها. هل إن مشروع التغيير وتحويل الدولة إلى مملكة دستورية ينحو باتجاه بناء دولة القانون والمؤسسات الديموقراطية الدستورية على غرار الممالك المتقدمة؟ أم إنها انحراف أصيل عنها؟ هذا هو السؤال المثير والذي مازال يفترض على المواطن البحريني معرفة الحقيقة، كما نراها نحن ونلمس جوهرها، وهي محاولة تعميق حكم الفرد وقدرته الفائقة على احتكار كافة السلطات في يده بمعزل عن نظام القيم المتعلقة بالديموقراطية والحكم الدستوري، وقد أكدت على ذلك الفقرة السادسة من ميثاق العمل الوطني والتي تقول "نظام الحكم في البحرين ملكي وراثي، والأمير هو رأس الدولة، وهو رمز استقرار البلاد والركيزة التي يرتكزعليها نظام الحكم في البحرين والقائد العام للقوات المسلحة ويأتي على رأس السلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية) وذاته مصونة لا تمس" فهذه الفقرة المكرسة أيضا في دستور البحرين الجديد، تختزل قضية السلطة والحكم في الشكل القانوني و الدستوري



للدولة الجديدة متجاهلة ليس فقط القيم المتعلقة بالحكم الديمقراطي الدستوري، بل الفقرة ا لاولى من الفصل الثالث للميثاق التي جاء فيها: " إن نظام الحكم في البحرين ديمقراطي والشعب هو مصدر السلطات جميعا".


ويتضح من خلال هذه الإجراءات إصرار الحكم على تكريس نهج الماضي الذي ناضل ضده شعب البحرين على مدى عقود طويلة, ولم تجري هناك أية محاولات جادة لتأكيد مبدأ الديمقراطية والحكم الدستوري على غرار النظم الدستورية البرلمانية المعمول بها في الممالك الدستورية المتقدمة, وفي مقابل ذلك كانت هناك قرارات ومراسيم وإجراءات تتخذ بصورة انفرادية لا علاقة بها بالمشاورة الشعبية مثل المرسوم الملكي بقانون ممارسة الحريات الشخصية وقانون النقابات واللوائح الداخلية لمجلسي النواب والشورى وغير ذلك من القوانين التي يجب أن تكون من اختصاصات المجالس المنتخبة شعبيا


وعلى الرغم من وجود بعض المكتسبات التي تحققت في مجالات حقوق الإنسان, وفي منح الجمعيات السياسية حرية التعبير من دون ممارسة حقها السياسي، فان كل جدي وواقعي وحقيقي لم يتغير في الخطاب السياسي ونهج الحكم الذي بقى مخلصا لارث الماضي، وبحيث أصبح الناس في البحرين لا يعرفون تماما إن كان عليهم أن يصدقوا ما يقوله لهم كبار المسؤولين في البلاد وما تنشره وسائل الإعلام المحلية، أو ما يبدو انهم يرونه في أرض الواقع.


إن الشرعية السياسية والتفويض الشعبي لدى الملك الذي فتح بداية التغيير وحاول أن يستمد شرعيته من خلال الميثاق ومن شخصيته القيادية الكاريزمية على المستوى الداخلي والذي يفترض أنها جاءت لمعالجة بعض الظواهر السلبية المتأصلة في النظام السياسي, بدأت تفقد بريقها ومبرراتها في بورصة الرأي العام مع اكتشاف المزيد من المغالطات والأخطاء الفادحة في صلب العملية التغييرية, وجاء الانقلاب على دستور البلاد الشرعي ومنح الدولة الجديدة دستور جديد، لم يتم التعاقد علية، كما هو الحال في دستور العام 1973 المتعاقد عليه بين الأسرة الحاكمة والشعب, ليؤكد حقيقة أن الحكم لا يزال عاجزا عن تحقيق ما وعد به الشعب بعد تصويت الغالبية الشعبية على ميثاق العمل الوطني, بل وتجرأ بصورة متعمدة على ابتداع نمط حياة سياسية واجتماعية جديدة تعتمد على صفة المكرمات والعطايا التي يمنحها الملك لعدد من المواطنين بقصد استرضائهم أو شراء ذممهم ويكتسب من خلال ذلك قيمة سياسية وأخلاقية وإنسانية.


وقد شكلت كل هذه الممارسات الخاطئة والبعيدة عن روح وقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان سببا رئيسيا في تعثر خطوات مسيرة التغيير والتي يفترض أن تمهد الطريق لانتقال الدولة الإدارية إلي مستوى المملكة الدستورية.


ولعل هذا السبب وغيره من الأسباب المعطلة لتطور العملية التغيرية وتحقيق مقاصدها وأهدافها الديمقراطية الدستورية الفعلية هو الذي جعل بعض رموز المجتمع والجمعيات السياسية يتساءلون عن جدوى هذه العملية التغيرية, في وقت ما تزال فية السلطة السياسية تتنكر أو تتجاهل عناصر الاختلاف التي يمكن أن تضيفها التلاوين السياسية والاجتماعية والثقافية والفكرية ضمن هذه العملية وانطلاقها نحو الارتقاء والتقدم, فقد كتب المهندس عبد الرحمن محمد النعيمي, رئيس جمعية العمل الوطني الديمقراطي في إحدى مقالاته المنشورة في صحيفة "أخبار الخليج" البحرينية بتاريخ 14 ابريل 2001 "البحرين .. موضوعات الإصلاح السياسي" يقول "كان واضحا للجميع أن ميثاق العمل الوطني هو الجسر التي ستعبر علية البلاد من مرحلة قانون أمن الدولة إلى المرحلة الدستورية. وانه خلال هذه المرحلة الانتقالية يفترض أن يتم التخلص من كثرة الأثقال التي أنهكت البلاد طيلة ربع قرن. فكل مواطن كان يرى في الميثاق ضالته وفرجا له إشكالية يعيشها سواء كان عاطلا عن العمل، أو خارجا من المعتقل أو السجن،أو تاجرا أو عاملا أو موظفا أو طالبا أو استاذا أو عاملا في الحقل السياسي، أو نشطا في جمعية من جمعيات النفع العام، وسواء اختبر أجهزة الأمن ام لم يختبرها، فقد كان التصويت على الميثاق تصويتا ضد القمع وتصويتا للانفراج السياسي وتصويتا للديمقراطية والحريات العامة واحترام حقوق الإنسان، فقد أكد الميثاق على "حرية والمساواة" وعلى الشراكة السياسية الدستورية بين الشعب والحكومة، وكان من الضروري تفعيل مواد الميثاق، أي وضع ما نص عليه موضع التنفيذ، ولكن فيما يبدو أن الحكم أخذ يتجه لتمكين سلطته على القرار، وكانت لديه تصوراته الخاصة في عملية التفعيل ورؤيته للخيارات السياسية في البلادعلى أساس أنه صانع القرار وأن مهمة الآخرين التلقي والاستهلاك السياسي وإرسال برقيات التأييد والمباركة للخطوات الإصلاحية القادمة وكتابة مقالات المديح والإطراء، وتلك



معادلة يجب أن تتغير لصالح الشفافية والتوجهات السليمة بحيث يسهم الجميع في بلورة الأفكار والخطط التي يحتاج اليها الوضع الجديد"


وكتب د. عبد الهادي خلف، وهو عضو سابق في البرلمان البحريني, ويقيم حاليا في السويد, في ورقته (ملاحظات أوليه حول حالتنا) التي قدمها في ورشة عمل في ألمانيا حول التغيرات السياسية في بعض بلدان الوطن العربي يقول فيها: "بالرغم من الإيجابيات الكثيرة التي جسدها مشروع التغيير في البحرين, فانه لا يزال يحمل المزيد من السلبيات الواضحة ومنها تلك التي تشدد على اعتبار الأمير (الملك) مركز القرار النهائي والوحيد في المشروع التغييري، فهو وحده الذي يحدد معنى العملية التغييرية ومداها ومجالاتها ورجالاتها ونسائها وهو الذي يمولها أو يحجب التمويل عنها وهو الذي يحدد إطار المصلحة الوطنية العليا وما يحتمله هذا الإطار وما لا يحتمله, وبذلك لم يطرح من خلال هذا المشروع مبدأ سيادة الشعب بمفهوم المشاورة والمشاركة, بل بمفهوم تمثيله والنيابة عنه في عمليات اتخاذ القرار, وقد ساهم إصرار الأمير على إبقاء عملية التغيير السياسي مشروعا خاصا به فيما شهدته البلاد من تباعد قوى المعارضة عن بعضها البعض بالسرعة التي تم بها ذلك التباعد, ولهذا ربما يبدو الأمير مقتنعا تماما بأنه حين حصل مشروع الميثاق الوطني على 98.4% من أصوات المشاركين في الاستفتاء عليه فانه، أي الأمير، قد حصل أيضا على تفويض مطلق على شكل صك مفتوح كي يتولى إدارة العملية التغيرية منفردا ودون التفات حتى إلي تحشيد شكلي للقوى السياسية والاجتماعية المستفيدة من مشروعه التغييري في مواجهة قوى سياسية واجتماعية متضررة منه, وعلى الرغم من محاولات كثيرة بدلت ولربما ما زالت تبدل, فان الملك ماض في طريق رسمه لنفسه بأنه صاحب القرار الأول والأخير في المشروع, وفي إصراره على أنه لا يحق لأحد من قادة المعارضة السياسية أو من قيادات المجتمع أن تتدخل في الأمر, ولهذا نراه مستمرا في رفض الدخول في حوار مع أي طرف سياسي أو اجتماعي حول آفاق العملية التغيرية, وما تواجه من مصاعب, وما هو مطلوب من الأطراف المختلفة في البلاد من إسهامات لمواجهة تلك المصاعب".


وكتب د. سعيد الشهابي، وهو أحد رموز المعارضة البحرينية ويقيم حاليا في لندن مقالا تحت عنوان "لكي لا ننتحر مرتين" و صف فيه سياسة العهد الجديد بأنها "السياسة الأسوأ في تاريخ البحرين الحديث والمعاصر" حيث أنها اتبعت أساليب الخداع والمكر، وانتقلت من قمع حريات الناس بالحديد والنار إلى قمعهم بالقوانين والدستور المفروض عليهم فرضا, فلم يعد هناك معنى للحديث عن قيم الديمقراطية وحكم القانون وحقوق الإنسان في ظل نظام سياسي يحاول أن يسلب إرادة الناس ويلزمهم بفرض الطاعة، فبعد أن هلل الجميع للمشروع الإصلاحي ودعمه بناء على الوعود والمواثيق, نجده اليوم يقوم على المبادى التي ناضل شعب البحرين ضدها لعقود طويلة، لقد ألفى الحاكم الدستور التعاقدي الذي كان مفصلا بما يناسب الطرفين وضع دستورا يناسبه شكلا وحجما ومضمونا وطلب منا أن نلبسه و فرض طائفية سياسية تفوق ما فعله أسلافه، وفرض توزيعا طائفيا يكرس هذه الطائفية في الدوائر الانتخابية، وبادر في التغير في تركيبة البلاد السكانية بقرارات أصدرها بعد أن ضمن استحالة إلغائها من جانب نظامه البرلماني ووزع الجنسية البحرينية على غير البحرينين بينما حرمها على عدد كبير من أبناء البحرين".


وهل نحتاج بعد إلى أمثلة أخرى للتدليل على الأساليب الخاطئة في ممارسة السلطة في البحرين؟ والتي ما زالت في ظل مشروع التغيير تتمسك بنهجها القديم مع بعض الرتوش الجديدة, فلم نجد سوى هذه المعانات التي يعيشها الناس يوميا ونشهد تبعاتها في أنظمة وقوانين بعيدة عن روح الديمقراطية وحكم القانون وحقوق الإنسان.


الأحد، 7 سبتمبر 2008

علي أحمد الجزيري ... شهيد الحرية



كنود هولمبو ، مناضل دنماركي عنيد، قادته مسيرة النضال من أجل الحرية والكرامة الانسانية ، إلى الاغتراب عن بلده ، والمشاركة في حركة التحرر العربية أبان حقبة الاستعمار ، من بوابة المقاومة الوطنية الليبية ضد الاحتلال الايطالي ، الذي قادها أسد الصحراء الشهيد عمر المختار
. وعلى قدر ماكانت تضحيات كنود هولمبو ، مفخرة لكل العرب ولاسيما الليبيين ، إلا أن قلة قليلة من الدنماركيين ، يعرفون سيرة حياة هذا الرجل النضالية الثورية ، والذي صار يشار له بالبنان في صفوف المقاومة الوطنية الليبية ، وقد كرمتهِِ الثورة بتخليد إسمه لكل الاجيال عبر قيامها بتشييد تمثال له في المتحف الوطني في ليبيا.
ولد كنود فالديمار هولمبو ،في مدينة هورسنس الدنماركية في ( 22 أبريل 1902 ) وهو الابن الآكبر لعائلة تعمل في التجارة ، ومنذ نعومة أظفاره ، كان شديد الاهتمام بالدراسة ، وشغوفا بالفلسفة وعلم الاديان ، وبعد نهاية تعليمه مارس مهنة الصحافة في عدد من المجلات والصحف الدنماركية كاتبا ومراسلآ ، وعندما بلغ العشرين من العمر ، توجه نحو التعمق في الدين ، وأعتنق الكاثولوكية ، ثم غادر بعد ذلك الدنمارك ليمارس طقوس هذه الديانة في دير كليرفو في ربوع فرنسا.
وفي العام 1924 ، وبعد أن ضاق ذرعا بطقوس الكنيسة ، قرر كنود هولمبو ، أن يسافر الى المغرب العربي لولوج عالم آخر في حياته وليكسب المزيد من معرفة إصول الدين والحياة. وهناك أصبح على أيدي رجال الدين المسلمين المغاربة ، مسلما ، حيث تراكمت لديه معرفه واسعة بتعاليم الاسلام وأصول الشريعة، وقد التقى بأحد مشايخ الدين في مسجد صغير بقرية مغربية ، ومن خلال المناقشة والحوار إستطاع شيخ المسجد أن يقنع كنود ، بالتقرب لدين الاسلام، و الذي لم يلبث أن أعتنقه بعد ذلك بعام واحد فقط. أسلم بشكل رسمي وصار واحدا من مسلمي الدنمارك الاوائل واصبح اسمه بعد ذلك ( علي أحمد الجزيري ).
وفي المغرب ، أصدر كتابه الاول بعنوان ( قصائد ) الذي تناول فيه مواضيع شتى حول الحياة والموت وطقوس العقيدة ودروب الصحراء ، وبعده بوقت قصير أصدر كتابه الثاني الدي تناول فيه إقامته في المغرب بعنوان ( الشيطان والبحر العميق – إندفاع بطائرة الى المغرب ).
أظهر كنود هولمبو ، من خلال رسائله الشخصية إهتماما كبيرا بالاسلام ، وكتب في إحدى رسائله ( أن الحياة المادية في اوروبا فقدت روحانيتها وهي تدمر القدرة على تقدير الحياة الجميلة ، لن أقول أن الحياة الحديثة في الشرق هي الافضل ، فالرجل الشرقي أيضا تأثر بالحضارة التي تفسد الحياة الروحية والاخلاقية).
كانت التجارب التي خاضها كنود هولمبو ، مع الحضارة الغربية وحروبها الاستعمارية في الشرق ، سببا من أسباب إهتمامه بالكتابة والمراسلة الصحفية، وخاصة حول قضايا النضال والتحرر ، ففي العام 1925 ،سافر إلى سوريا والاردن وفلسطين والعراق بهدف تغطية الاحداث الجارية في تلك الاقطار الى الصحف الدنماركية والبريطانية ، ثم سافر بعدها الى إيران. وفي العام 1927 ، تابع مهمته الصحفية في ربوع البلقان ، وهناك واجه بعض التحديات السياسية والامنية ، فعندما التقط صورة لبعض جنود الدكتاتور الايطالي موسوليني ، وهم يعدمون قسيسا ، كان إنتقد النظام في البانيا، تسابقت على نشرها مختلف وسائل الاعلام الدولية ، عرضته تلك الصورة للعديد من الملاحقات الامنية من جانب المخابرات الايطالية. لكن تلك الصورة جعلت منه مراسلآ مرموقا يحظى بأهتمام الصحف العالمية التي حاولت توظيفه لتغطية الاحداث في مختلف مناطق التوتر في العالم.
وبعد عودته الى الدنمارك في العام 1928 ، عمل كنود هولمبو ، رئيسا لتحرير جريدة محلية ، ولكن نظرا لصعوبة أوضاعه المالية ، إضطر الى ترك وظيفته ، وهاجر مع زوجته نورا وابنتهما عائشة الى المغرب.
وفي العام 1930 ، عبر كنود هولمبو ، صحارى بلاد المغرب العربي بالسيارة ، وكان الهدف هو التعرف على طبيعة المنطقة ، الا أنه عندما وصل الاراضي الليبية التي كانت خاضعة في ذلك الوقت للاحتلال الايطالي ، شاهد بالعين المجردة ، حملات الابادة التي تعرض لها الشعب الليبي على أيدي جنود موسوليني ، و شملت ممارسة القمع والاعدامات العشوائية والتهجير القسري والتجويع واستخدام الغازات السامة القاتلة.
شاهد كل هذه الاساليب المروعة ، التي مورست ضد الشعب الليبي المقهور ، فتحركت مشاعره الانسانية ، وإندفع للانضمام إلى صفوف المقاومة الشعبية الليبية ، بقيادة شيخ المجاهدين عمر المختار . طلبت منه الثورة تقديم المساعدة لايصال صوتها الى العالم ، إلا انه بعد فترة قصيرة ، إكتشف الايطاليون أمره ، فطاردوه واعتقلوه وأبقوه في السجن عدة أشهر قبل أن ينفوه تعسفا إلى القاهرة.
وفي مصر ، صار كنود هولمبو ،يعمل لصالح المقاومة الليبية، قام بتنظيم قافلة أغاثة تحمل مواد غذائية وأدوية وبعض الاسلحة الخفيفة لدعم المقاومة ، ولكن بإيعاز من السفير الايطالي في القاهرة ، تمت عملية اعتقال كنود هولمبو ، واودع في السجون المصرية لمدة شهرين. غادر الاراضي المصرية بعد اطلاق سراحه متوجها الى الدنمارك ، حيث اصدر هناك كتابه الجديد ، حول مشاهد الابادة في ليبيا ، وعن مجمل تجاربه في صحاري المغرب بعنوان ( الصحراء تلتهب ) وقد ذاع صيت هذا الكتاب وأصبح من أكثر الكتب تسويقا في مختلف دول العالم، خاصة في الولايات المتحدة الاميركية وأوروبا ، ولكنه منع في ايطاليا.
وفي العام 1931 ، قام كنود هولمبو ، برحلة برية إلى مكة المكرمة بقصد أداء مناسك الحج ، وخلال مسارات الرحلة التقى بالعديد من المسؤولين في حركات التحرر العربية وبخاصة قادة المقاومة الليبية في كل من تركيا وسوريا والاردن ، ولان الايطاليين كانوا يخشون نشاطاته وتحركاته لصالح المقاومة الليبية ، حاولوا أن يقطعوا عليه طريق الوصول الى مكة المكرمة ، ولكنهم فشلوا في تحقيق ذلك الهدف. وبعد عودته من مكة ، أقام ، في الاردن مدة طويلة ، تعرض خلالها لملاحقات كثيرة وبعض محاولات الاغتيال من قبل أجهزة المخابرات الإيطالية.
وفي 11 أكتوبر من العام 1931 ، غادر كنود هولمبو ، الاراضي الاردنية على متن احدى جمال الصحراء متوجها صوب الحدود السعودية ، وهناك إقترب من أحد مضارب قبيلة بدوية سعودية ، ومن سوء طالعه ، كانت هذة القبيلة تعمل لصالح الضباط الايطاليين المرابطين في المنطقة، فاستدرجه شيوخ القبيلة واشاروا عليه مواصلة الطريق بمفرده، وعندما قطع بعض المسافات تعرض لاعتداء غاشم من قبلهم ، بين الحقل وحميدة ، وخلال الليل تم أسره ، ولكنه تخلص من قبضة البدو ، وفر هاربا الى عمق البحر ، وعندما أنهكته السباحة ، كان عليه الاقتراب من الساحل ، وهناك عثر عليه البدو مرة اخرى ، فاطلقوا عليه النار وسقط صريعا ، عن عمر لايتجاوز التاسعة والعشرين.
وبعد فترة من مقتله ، نجحت سلطات الامن في الحدود الاردنية بقيادة الضابط عارف سليم ، في القاء القبض على شيخ قبيلة البدو ،وأبقته في سجن العقبة للاستجواب ، ولكن بعد بضع ساعات تم اطلاق سراحه ، بأمر من قائد الجيش البريطاني في الاردن جون جلب ، وبعد عدة شهور من ذلك قيل بأن جنودا موالين لعبدالعزيز بن سعود ، تمكنوا من قتل أفراد القبيلة قاتلي كنود هولمبو ، ونسف معسكراتهم.
وعند قيام الدولة السعودية في العام 1932 ، إختفت كافة الادلة الجديرة بكشف ملابسات مقتل المناضل الدنماركي كنود هولمبو في الاراضي السعودية.
ومند ذلك الوقت ، لم ينس الشعب الليبي ، ماقدمه له كنود هولمبو ، من تضحيات جسام في سبيل التحرير. ومند ذلك الوقت أيضا ، لم يحصل الشعب الليبي من تعويضات حرب الابادة التي تعرض لها طوال سنوات الاحتلال الرهيبة ( 1911 – 1949) سوى على حفنة قليلة من المال ( 5 مليارت دولار فقط ) وصورة إعتذار رسمي عن حقبة الاستعمار ، قدمتها ايطاليا مؤخرا الى الحكومة الليبية. إما جثمان كنود هولمبو فقد اختفت ولم يتم العثور عليها كي يوارى الثرى في أحضان بلاده الدنمارك حتى هذا اليوم.

الجمعة، 7 ديسمبر 2007

الأربعاء، 24 يناير 2007

لقاء صحفي مع ( الوسط ) البحرينية 2007


المعارض البحريني هاني الريّس لـ«الوسط»:
المعارضة العائدة إلى الوطن لا تملك رؤية واضحة
الوسط - حيدر محمد
ربما عشق فعلاً الهجرة التي لازمته منذ سنوات شبابه الأولى، والسبب في ذلك حلمه في «إقامة مجتمع فاضل» قد لا يتوافر في أية تجربة سياسية عربية على الأقل. آثار الهجرة بدت واضحة على محيا ابن الدراز التي غادرها مبكراً، عندما قرر الانخراط في صفوف «الجبهة الشعبية» في البحرين، وهي إحدى ابرز الحركات السياسية اليسارية في البحرين.

عندما خرج من البحرين قبل عقدين ونيف أخبر أهله أنه سيعود إليهم بعد أسبوعين، ولكنه لم يعد إلا بعد 25 عاماً ولأسبوعين فقط... من الدراز إلى بيروت التي كانت فضاء حرا للثوار العرب من شتى الأقطار بدأ منها رحلة أحلامه في بحرين تتسع للجميع، وبعد انتهت إقامته اضطر لأن يغادر بيروت ولكن إلى الدنمارك هذه المرة ... انه رئيس لجنة التضامن البحرينية الدنماركية المعارض هاني الريس الذي حاورته «الوسط» خلال زيارته القصيرة للبحرين عن رحلة استثنائية، وسألناه أيضا عن رؤيته للوضع السياسي في البحرين ومتى سيعود الطائر إلى عشه الأول؟! وهنا نص الحوار...

أشهر، وبعد لقاء مع وزير الداخلية السابق سمح باعطائي جوازي للسفر وكان ذلك في نهاية السبعينات، إذ قدمت تعهدا للوزير بان يسلمني الجواز لأسافر وأقدم اختبارات في بيروت وأعود، وأخبرت أهلي أنني سأقدم امتحانات لأسبوعين فقط، ومنذ ذلك اليوم كنت مبعدا سياسيا في الدنمارك حتى العام 2002، وبقيت أسبوعين في البحرين. متى خرجت من البحرين؟

- خرجت من البحرين بعد اعتقالي وحجز جواز سفري لتسعة

ولكنك لم تقرر الإقامة في البحرين كالآخرين؟

- لم أبق في البحرين لأننا لم نر الأوضاع التي كنا نطمح إليها، إذ كنا نطمح إلى إعادة العمل بدستور 73 والى تنمية سياسية وديمقراطية حقيقية، والى تعويض الضحايا والشهداء والمنفيين، ولا أكذب إن قلت لك إنني كنت من التيار المتشاءم، وعندما أتيت إلى البحرين واطلعت على الحال السياسية عن قرب وجدت أن ثغرات كبيرة فرضتها ظروف المرحلة المحلية والدولية.

وهل ذهبت إلى بيروت كما أخبرت أهلك بذلك؟

- فعلاً، ذهبت إلى بيروت، وهناك أجريت لقاءات واتصالات مع أحزاب وحركات تحرر عربية، ودائما كنا ندافع عن قضايا شعب البحرين ونطرح همومه العادلة في الكثير من المؤتمرات واللقاءات الحزبية على أمل أن تكون البحرين متطورة ومتقدمة، ومكثت في بيروت إلى العام 1984، وكنت أتنقل خلال تلك الفترة بين بيروت ودمشق، وبعدها انتهى جواز سفري البحريني ولم استطع البقاء في لبنان، لان السفارة البحرينية رفضت تجديد جواز السفر وعشت عاما كاملا من دون إقامة في بيروت.

وكيف تصرفت إذن؟

- من بيروت سافرت إلى الدنمارك وقدمت طلبا للجوء السياسي، وتنقلت في معسكرات اللاجئين السياسيين في مختلف مناطق الدنمارك، وكانت قضية البحرين غير واضحة بالنسبة للحكومة الدنماركية، إذ كانت ترى أن البحرين بلد يخلو من أي صراع سياسي، ولكننا من خلال الوثائق التي كشفت قضايا المجتمع البحريني وحوادث أمن الدولة فضحنا الممارسات القمعية الناتجة عن غياب السلطة التشريعية ومؤسسات المجتمع المدني والاعتقالات وقتل بعض المعتقلين تحت وطأة التعذيب، وعرضنا أفكارا معمقة عن التظاهرات التي تطالب بعودة المواد الحيوية المعطلة من الدستور.

هذه الوثائق والكتيبات التي قدمناها حصلت عليها بعد تشكيل محكمة خاصة للنظر في قضيتي، وكانت تتكون من عشرة قضاة ومحاميين وممثل عن الصليب الأحمر الدنماركي ووزارة العدل ونقابة المحامين، وبعد أن أثبتت المعلومات والوثائق أن البحرين آنذاك دولة غير ديمقراطية ولا تعمل بحقوق الإنسان، قرروا منحي اللجوء السياسي ومن خلال هذا اللجوء كنت أحمل هموم وقضايا شعب البحرين وأحاول إيصال قضايا هذا الشعب من خلال الندوات وحملات تواقيع والتضامن مع شعب البحرين، ومن خلال التعريف بالواقع المعاش في البحرين للاسكندافيين عموما وللدنماركيين خصوصا ومنحناهم تصورا لمجريات الحوادث، وكنا نركز على القضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان.

لجنة التضامن الدنماركية البحرينية

وهل أطر ذلك النشاط بعمل مؤسسي؟

- نعم، أسسنا لجنة التضامن الدنماركية البحرينية تحت لواء الجبهة الشعبية في البحرين في العام 1990 وتأسست على أيدي ثلاثة أشخاص هم(عبدالرحمن النعيمي، عبدالنبي العكري وأنا) وهذه اللجنة تضم 100 عضو من مختلف الفعاليات الدنماركية من المحامين وأعضاء البرلمان والمثقفين والصحافيين، وكانت تتابع الشأن البحريني وأصدرنا دراسات عن الوضع الديمقراطي في البحرين.

إن هذه النشاطات تزامنت مع حرب الخليج والتطورات الملتهبة في البحرين بسبب انتفاضة التسعينات، وشاركت اللجنة في بعض الفعاليات في جنيف، وأقمنا ندوة شهيرة في داخل البرلمان الدنماركي عن البحرين في أيام انتفاضة التسعينات وركزنا على غياب الديمقراطية وانتهاكات حقوق الإنسان في البحرين، وحضرتها فعاليات كثيرة وخصوصا طلبة الحقوق والعلوم السياسية الدنماركيين وحوالي 400 شخصية مختلفة.

وهل كان لما تقومون به صدى على البحرين؟

- الحكومة كانت متأثرة من هذا النشاط، لأنها تعتبره مسيئاً لسمعة الوضع الذي حاولت تقديمه للرأي العام الغربي، ولكننا استمررنا في هذا النشاط لان هذا العمل اعتبرناه خدمة للقضية الوطنية لحث البحرين على احترام المواثيق الدولية التي وقعت عليها، وللتاريخ فإننا لم نسع لخدمة برامج تياراتنا المختلفة.

35 بحرينياً في الدنمارك الآن

وكم يبلغ عدد البحرينيين المبعدين في الدنمارك؟

- كان في الدنمارك حوالي 70 عائلة بحرينية (بقي منهم 35 مواطناً بحرينياً فقط الآن) من أصل أكثر من 2000 مواطن بحريني في المنفى، وبودّي أن أسأل: هل الدولة بمواردها النفطية لا تستطيع تعويض 2000 مواطن أجبروا على الخروج من وطنهم في حين أن الحكومة الدنماركية والحكومات الأخرى منحتهم الضمان الاجتماعي ووفرت مساكن لكل اللاجئين البحرينيين فضلا عن التعليم المجاني والخدمات الصحية المتميزة ورواتب للأطفال بالإضافة إلى الحقوق السياسية؟! فمن حصل على الإقامة الدائمة كان من حقه الترشيح والتصويت في الانتخابات البلدية والنيابية، وهذه الظروف لا تتوافر للبحرينيين في بلدهم الأصلي، وهذه من ضمن الأسباب التي أثنت البعض عن العودة، إذ إن الإنسان يشعر بقيمته الحقيقية هناك.

التجاوب الرسمي مع العائدين محدود

وما الذي كنتم تأملون رؤيته في البحرين؟

- عندما رجع عدد من المنفيين إلى البحرين كانوا يأملون في منحهم حقوقهم التي فقدوها باعتبارهم مبعدين قسرا عن بلدهم، وقسم من هذه العوائل بقيت في البحرين، وهؤلاء يبحثون الآن عن لقمة العيش الكريم، وغالبيتهم من دون مسكن يأويهم (...) حدثت بعض التحركات الشعبية والمجتمعية لمساعدتهم، ولكن التجاوب الرسمي كان بطيئا ومتخوفا ومتلكئاً في الكثير من المحطات، وهؤلاء ربما أرادتهم بعض الجهات الرسمية أن يكونوا شماعات لواجهات وطنية في الخارج في الوقت الذي يتمتع غيرهم بالجنسية البحرينية من دون الالتزام بالنصوص القانونية المعمول بها.

نحن سنراقب التجربة النيابية

وكيف تنظر إلى الانتخابات النيابية الأخيرة؟

- القوى السياسية قاطعت انتخابات 2002، وشاركوا في الانتخابات الأخيرة على رغم أن تطورا لم يحدث، وهذه القوى شاركت مقابل وعود بالتطوير والإصلاح، ولكن النظام السياسي يجب ألا يرتكز على الوعود فقط. ومن هنا لا أتوقع أن ينجح المجلس في تحقيق مطالب وطموحات الناخبين الذين شاركوا في الانتخابات بكثافة، لأن هناك نصوصا دستورية ولائحة داخلية تحد من فرص الانجاز، وعموما نحن والشعب سنراقب هذه التجربة، وإذا لم يحدث تغيير جوهري في نمط التفكير لدى السلطة، وإذا لم تتوفر إرادة للتغيير نابعة من صدق فلن يستطيع البرلمان أن أي يحقق شيئا ملموسا على رغم حماس الناس للتغيير الذين عبروا عنه من خلال الإقبال الكثيف من الناخبين على صناديق الاقتراع. ومن جهة أخرى أتمنى ألا ينشغل المجلس بالقضايا الخدمية والصراعات على الامتيازات الشخصية.

يستشف من كلامك أنك ميال للمقاطعة؟

- أنا امنح الناس قناعتهم في المشاركة أو عدم المشاركة، فذلك حق أصيل لهم ولا ينبغي مصادرته في أي حال من الأحوال، ولكن قناعتي الخاصة أن غياب المشاركة الحقيقية لا يمكن أن يكون بوابة لإصلاح حقيقي.

وألا تعتقد أن هناك فرصة حقيقية للتغيير يمكن استثمارها؟

- إذا وجدت الإرادة الصادقة، ولن يتحقق ذلك إذا لم تكن هناك مؤشرات تضمن وجود مشاركة حقيقية، ومقدمة ذلك أن يساوي كل صوت الصوت الآخر في التمثيل، وإصلاح النظام الانتخابي احد أبواب الانفتاح على النظام الملكي الدستوري، وإذا رغبنا في أن نعيش حياة دستورية على غرار الممالك الأخرى يجب منح المواطن فرصة المشاركة الحقيقية، وصولا لتداول أركان السلطة التنفيذية على قاعدة الانتخابات ذات المقدمات الموضوعية مستقبلا، كما أن السلطة التنفيذية شاركت بكل قوة في دفع بعض عناصرها وإبعاد من لا يروق لها عن المجلس النيابي الحالي.

برنامج نواب المعارضة

وماذا عن نواب المعارضة؟

- احد أسباب الإخفاق أن المعارضة العائدة إلى الوطن لم تمتلك رؤية موحدة تجاه إصلاح الوضع السياسي، وكانت العودة فردية من دون تنسيق، وبعضهم كان يطمح في الحصول على موطئ قدم في الوضع الجديد، والذين عادوا أسسوا لحياة جديدة في الجمعيات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني ولهم نشاط إعلامي واجروا الكثير من الندوات والمؤتمرات، ومنحوا فرصة للتعبير ولكن لم يمنحوا الفرصة للتغيير على قاعدة «قولوا ما شئتم، ونفعل ما نريد».

إن الـ 18 نائبا الذين يمثلون قوى المعارضة إذا كان لديهم مشروع وطني حقيقي واستطاعوا أن يتجاوزوا الحال الطائفية التي يراد لهم الانغماس فيها، فحينها يستطيعون أن يبدأوا خطوة الألف ميل.

حرق المراحل

البعض هنا دائما ما يحذر من خطورة حرق المراحل، ولكنكم تعارضون هذا النهج المتدرج؟

- تراكم الخبرات أمر مهم، ولكن البداية يجب أن تكون صحيحة ومتفقاً عليها وفي إطار زمني معقول، ولا يجوز أن نعلق إخفاقاتنا على شماعة تراكم الخبرات، فالمجتمعات الغربية أقرت قانون العمل ذي الـ 8 ساعات بعد سفك الدماء والصراعات، وفي المقابل نحن في المجتمعات الشرقية حققنا الـ 8 ساعات من دون صراعات.

إن دساتير الممالك الدستورية مرت بمراحل مختلفة، وكان للشعوب والكنيسة وقوى الضغط الاجتماعي تأثير فيها ودفعت الشعوب ثمنا باهظا في سبيل تحقيق هذا التطور الدستوري، ولكن السؤال: نحن لماذا لا نستفيد من حصيلة الخبرة؟(...) يجب أن نبدأ من حيث انتهى الآخرون، لا من حيث بدأوا!

العودة إلى البحرين

وهل هناك حوارات بينكم وبين المسئولين الآن؟

- كلا، الحكومة استكملت مشروعها بعد التصويت على الميثاق والانتخابات الأخيرة، غير أن الدولة إلى الآن لم تفلح في إقناع من هم في الخارج بالعودة لأسباب مختلفة وأبرزها إقناعهم بجدية العمل نحو التطوير